يقين 24/ حليمة صومعي
لم يعد المشهد العام يحتاج إلى كثير من التمحيص حتى تتضح ملامحه المتكررة؛ تحركات مفاجئة، خرجات سياسية متتالية، ووعود تُرفع في الواجهة كلما اقتضت الظرفية ذلك. فجأة، يتحول كل شيء إلى أولوية مستعجلة، وتُفتح الأوراش، وتتكاثر المبادرات، وكأن عجلة الاهتمام توقفت طويلاً ثم عادت للدوران دفعة واحدة.
في هذا السياق، يبدو أن الجميع “يشمر على يديه”، لكن ليس دائماً بدافع معالجة عمق الإشكالات الحقيقية، بل أحياناً لإعادة ترتيب الصورة أمام الرأي العام وصناعة حضور ظرفي يفرض نفسه في المشهد السياسي. المواطن، الذي يفترض أن يكون محور السياسات العمومية، يتحول في كثير من الأحيان إلى مجرد واجهة تُبنى حولها الخطابات والتحركات، أكثر مما تُصاغ لأجله حلول دائمة تحفظ كرامته وتخفف معاناته.
السياسة اليوم أصبحت حاضرة بقوة في كل التفاصيل؛ لقاءات، تجمعات، تصريحات، وتحركات ميدانية تُقدم على أنها انشغال مباشر بقضايا المواطنين. لكن الواقع يكشف أن عدداً من هذه التحركات يرتبط أكثر بمنطق التموقع وصناعة التأثير، خصوصاً مع اقتراب المحطات الانتخابية، حيث ترتفع وتيرة الوعود ويشتد التنافس على كسب تعاطف الشارع.
وفي المقابل، تستمر الأسواق في إرسال رسائل أكثر قسوة من كل الخطب والشعارات. الغلاء يكتسح كل شيء، والأسعار تواصل الارتفاع بشكل يرهق الأسر البسيطة ويضعها أمام اختيارات صعبة. المواطن البسيط لم يعد يشتكي من الكماليات، بل أصبح يبحث عن الحد الأدنى من العيش الكريم وسط موجة غلاء لا ترحم.
ومع اقتراب عيد الأضحى، تتضاعف المعاناة أكثر. فالأضحية التي كانت رمزاً للفرحة والتكافل الاجتماعي، تحولت بالنسبة لعدد كبير من الأسر إلى حلم صعب المنال. كيف للمواطن المغلوب على أمره أن يقتني أضحية في ظل الأسعار الملتهبة وضعف القدرة الشرائية؟ وكيف لأسر أنهكتها تكاليف الحياة اليومية أن تساير هذا الارتفاع الجنوني الذي يطحن الفئات الهشة؟
هنا يبرز السؤال الذي يتردد داخل البيوت والأسواق وعلى ألسنة البسطاء: أين هي المبادرات الحقيقية لحماية القدرة الشرائية؟ وأين هي السياسات التي تلامس واقع المواطن بدل الاكتفاء بخطابات التهدئة؟ فالمسكين اليوم لا يبحث عن صور موسمية ولا عن خرجات سياسية ظرفية، بل عن حلول عملية تُشعره بأن هناك من يُنصت فعلاً لمعاناته اليومية.
حتى مشاريع البنية التحتية، من طرقات وتأهيل أحياء ومرافق، تدخل أحياناً في نفس دائرة التوقيت السياسي. تُفتح الأوراش فجأة، وتُرفع شعارات “التنمية” و”التجديد”، بينما يتم تقديم بعض المشاريع وكأنها إنجازات وُلدت للتو، رغم أنها في الأصل امتداد لتوجهات كبرى وخطط وُضعت منذ سنوات. وهنا، يغيب منطق الاستمرارية المؤسساتية لصالح سباق التموقع وحسابات الصورة.
وفي الخلفية، تستمر سياسات تُدار بعيداً عن أعين المواطنين، حيث تُحدد الأولويات وتُرسم الاتجاهات دون إشراك حقيقي للناس في قضايا تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر. أما ما يظهر في الواجهة، فغالباً ما يكون الجزء القابل للتسويق إعلامياً، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة دون أجوبة واضحة.
المشكل الحقيقي لا يكمن في وجود التحركات السياسية أو المبادرات في حد ذاتها، بل في طابعها المؤقت وتوقيتها المدروس. فالتنمية لا تُقاس بكثافة الحضور السياسي ولا بعدد الخرجات الإعلامية، بل بمدى استمرارية الأثر وتحسين حياة الناس بشكل ملموس. والمواطن لا يحتاج إلى من يطرق بابه فقط عند الحاجة أو في مواسم معينة، بل إلى سياسات عادلة تضمن له الكرامة والاستقرار دون انقطاع.
وفي النهاية، ورغم أن الجميع اليوم “يشمر على يديه”، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً بإلحاح: هل نحن أمام عمل حقيقي يلامس جوهر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، أم مجرد سباق محموم لصناعة صورة ظرفية سرعان ما تنتهي بانتهاء المناسبة؟
الجواب لا يوجد في الشعارات ولا في المنصات والخطب، بل هناك… في الأسواق التي يئن فيها المواطن من الغلاء، وفي البيوت التي تنتظر الفرج، وفي التفاصيل الصغيرة لحياة الناس، حيث لا قيمة للكلام ما لم يتحول إلى واقع يُخفف المعاناة ويصنع الأمل الحقيقي.

