يقين 24 – المقال مستوحى من قراءة سوسيولوجية للباحث محمد جواد سيفاو:
في كل موسم عيد، كانت أسواق الماشية بالمغرب تتحول إلى فضاءات تعج بالحركة والمساومات وأصوات الباعة، غير أن المشهد هذه السنوات تغيّر بشكل لافت. لم تعد “الحولي” وحدها محور الحديث، بل ظهرت لغة جديدة يقودها المغاربة على مواقع التواصل الاجتماعي، اختصرتها عبارة ساخرة لكنها تحمل الكثير من الرسائل: “خليه يبعبع”.
خلف هذه الجملة البسيطة تختبئ حالة اجتماعية كاملة؛ غضب صامت، وضغط اقتصادي متزايد، وشعور جماعي بأن القدرة الشرائية لم تعد قادرة على مسايرة الأسعار الملتهبة التي باتت ترافق كل موسم عيد أضحى.
الوسم الذي بدأ كمزحة إلكترونية سرعان ما تحول إلى موجة واسعة من التفاعل، بعدما وجد فيه آلاف المغاربة وسيلة للتعبير عن رفضهم للغلاء، دون شعارات سياسية أو احتجاجات مباشرة. فبدل الصدام، اختار كثيرون السخرية والانسحاب الرمزي من سوق بات بالنسبة لهم خارج المنطق.
وخلال السنوات الأخيرة، ساهمت موجات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف والمحروقات في رفع أسعار الأضاحي بشكل غير مسبوق، وهو ما جعل عدداً من الأسر المغربية تعيش ضغطاً حقيقياً مع اقتراب العيد، خصوصاً في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي خضم هذا الوضع، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة للتنفيس الجماعي، حيث انتشرت تدوينات وصور ساخرة من قبيل “الحولي ولى مشروع استثماري” و”العيد بالتقسيط”، في تعبير واضح عن حجم الاحتقان الذي يعيشه المواطن البسيط.
ويرى متابعون أن السخرية التي يستعملها المغاربة ليست مجرد بحث عن الضحك، بل أصبحت شكلاً جديداً من أشكال الاحتجاج الاجتماعي، ووسيلة لتخفيف الإحساس بالعجز أمام موجة الغلاء. فالمواطن الذي لا يستطيع تغيير الأسعار، يحاول على الأقل مواجهتها بالسخرية ورفض الخضوع لمنطق المضاربة.
كما أعاد وسم “خليه يبعبع” فتح النقاش حول التحولات التي عرفها عيد الأضحى داخل المجتمع المغربي، بعدما تحولت الأضحية عند بعض الأسر من شعيرة دينية إلى عبء اجتماعي يفرض على الكثيرين مجاراة محيطهم، حتى ولو كان ذلك عبر الاستدانة أو تحمل مصاريف تفوق إمكانياتهم.
ومع الانتشار الواسع لثقافة الاستعراض على منصات التواصل، ازدادت الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالمظاهر، وهو ما جعل عدداً من المغاربة يعتبرون أن هذا الوسم ليس موجهاً فقط ضد غلاء الأسعار، بل أيضاً ضد ثقافة التباهي التي أصبحت ترافق المناسبات الدينية والاجتماعية.
اليوم، لم تعد “خليه يبعبع” مجرد نكتة عابرة، بل تحولت إلى عنوان لمرحلة يعيش فيها المستهلك المغربي حالة من فقدان الثقة في السوق والأسعار، وإلى رسالة واضحة مفادها أن المواطن البسيط بدأ يبحث عن طرق جديدة للتعبير عن رفضه، ولو بلغة ساخرة تبدو خفيفة في ظاهرها، لكنها تحمل الكثير من القلق والغضب في عمقها.

