يقين 24
أسدل القضاء الإداري بمراكش الستار على واحدة من أكثر القضايا التعميرية إثارة للجدل بجهة مراكش آسفي، بعدما قضت المحكمة الإدارية بعزل الرئيسة السابقة لجماعة تسلطانت من عضوية ومكتب المجلس الجماعي، على خلفية خروقات وصفت بالجسيمة في تدبير مشروع عقاري ضخم يمتد على مساحة 66 هكتاراً.
وجاء القرار القضائي ضمن الحكم رقم 1352 الصادر عن المحكمة الابتدائية الإدارية بمراكش، والذي استجاب لدعوى العزل التي تقدمت بها سلطات المراقبة الإدارية التابعة لولاية جهة مراكش آسفي، مع شمول الحكم بالنفاذ المعجل، ما يعكس خطورة الأفعال المنسوبة إلى المعنية بالأمر من منظور القضاء الإداري.
وتعود وقائع الملف إلى الترخيص لمشروع سكني ضخم يضم 1860 فيلا فوق وعاء عقاري يمتد على 66 هكتاراً بمنطقة تسلطانت، بموجب رخصة تعميرية حملت رقم 1080. غير أن الأبحاث والتقارير التي اعتمدتها المحكمة كشفت وجود اختلالات مرتبطة بعدم احترام المقتضيات القانونية والتنظيمية المنصوص عليها في تصميم التهيئة المعتمد بالمنطقة.
وبحسب حيثيات الحكم، فإن المشروع خالف عدداً من الضوابط التعميرية الأساسية، من بينها عدم احترام الحد الأدنى للمساحة القانونية للبقع الأرضية المحددة في 250 متراً مربعاً، إضافة إلى تقليص مسافات التراجع الجانبي للبنايات إلى أربعة أمتار بدل خمسة أمتار المنصوص عليها قانوناً، فضلاً عن تسجيل تجاوزات مرتبطة بمعاملات شغل واستغلال الأرض المسموح بها في المنطقة.
ورفضت المحكمة المبررات التي تم التمسك بها لتبرير منح الترخيص، سواء تلك المرتبطة بالحصول على موافقات تقنية سابقة أو بدعوى تشجيع الاستثمار وإنعاش التنمية العمرانية، مؤكدة أن احترام ضوابط التعمير يظل التزاماً قانونياً لا يمكن تجاوزه أو التحلل منه تحت أي مبرر.
واعتبرت الهيئة القضائية أن الترخيص لمشروع بهذا الحجم خارج الضوابط القانونية يشكل إخلالاً جسيماً بالمسؤوليات المرتبطة بتدبير الشأن العام المحلي، ويمس بمصالح الجماعة وبسلامة التخطيط العمراني، وهو ما يندرج ضمن الحالات المنصوص عليها في المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات، التي تخول للقضاء الإداري عزل المنتخبين في حال ارتكابهم مخالفات جسيمة أثناء ممارسة مهامهم.
ويرى متابعون أن هذا الحكم يشكل رسالة قوية في اتجاه تعزيز الرقابة على قطاع التعمير وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في الملفات التي ترتبط بمشاريع عقارية كبرى قد يكون لها تأثير مباشر على التوازن العمراني والبيئي ومستقبل التنمية الترابية بالمناطق المعنية.
كما يعيد هذا القرار إلى الواجهة أهمية احترام وثائق التعمير والتخطيط العمراني باعتبارها أدوات قانونية ملزمة لجميع المتدخلين، سواء كانوا منتخبين أو مستثمرين أو إدارات عمومية، في إطار تكريس مبادئ الحكامة الجيدة وحماية المجال العمراني من أي تجاوزات محتملة.

