يقين 24
قبل أشهرٍ قليلة، كانت أرضية ملعب القرب «إمام مالك» بخريبكة تضجّ بأصوات الفرح، وتتراقص فوقها أقدامٌ صغيرة تحمل أحلاماً كبيرة… تسعُمائة لاعبٍ ناشئ، وواحدٌ وثلاثون جمعيةً من مختلف ربوع الإقليم، التقوا في نسخةٍ ثالثةٍ ناجحة من الدوري الإقليمي لكرة القدم، توّجتها «أمسية التميز الرياضي» بحفل ختامٍ حافل. أمّا اليوم، فيُخيّم الصمت… ويطرح السؤال نفسه بإلحاح: أين النسخة الجديدة؟ ولماذا تأخّرت — أو غابت — تظاهرةٌ باتت تمثّل المتنفّس الوحيد لناشئة المدينة؟
لم تكن النسخة الثالثة مجرّد منافسةٍ كروية عابرة؛ فقد نظّمتها جمعية Act4Community Khouribga بتعاون مع السلطات المحلية والمجالس المنتخبة والمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وبشراكةٍ مع عصبة بني ملال خنيفرة، لتجمع فئات U11 وU13 وU15 من خريبكة وحطان وبولنوار وبوجنيبة وأولاد عزوز. وأسفرت عن تتويج شباب الفتح راسينغ خريبكة في فئة U15، وجمعية المستقبل بوجنيبة في فئة U13، وجمعية الشروق خريبكة عن فئة الفتيات. أرقامٌ ونتائجُ تختصر حجم الدينامية التي حرّكها الدوري، والفراغ الذي يخلّفه غيابه.
وهنا مكمن القلق. ففي مدينةٍ تشكو أصلاً من قلّة الفضاءات الترفيهية الموجَّهة للأطفال والناشئين، يصبح هذا الدوري أكثر من مجرّد حدثٍ رياضي؛ إنّه نافذةٌ يتنفّس منها مئات الصغار بعيداً عن الشارع ومخاطره، وموعدٌ سنويٌّ ينتظرونه ليجرّبوا طعم المنافسة والانتماء. والأدهى أنّ ملاعب القرب نفسها — التي يُفترض أن تكون في متناول الجميع — لم تعد متاحةً بالمجان للعموم، ما يضيّق الخناق أكثر على الأسر محدودة الدخل، ويحرم أبناءها من أبسط حقوقهم في اللعب والترفيه.
وسط هذا الوضع، ترتفع أصوات الجمعيات الرياضية بالإقليم متسائلةً: ما الذي حال دون تنظيم نسخةٍ جديدة هذا الموسم؟ هل يتعلّق الأمر بنقصٍ في الدعم والتمويل؟ أم بغياب التنسيق بين مختلف المتدخّلين؟ أم بإكراهاتٍ لوجستيكية ترتبط بالفضاءات وتوقيت إتاحتها؟ أسئلةٌ مشروعة تنتظر أجوبةً واضحة، خاصةً وأنّ التظاهرة أثبتت جدواها ونجاحها في نسخها السابقة، وراكمت رصيداً من الثقة لدى الفرق والجمعيات والأسر على حدٍّ سواء.
إنّ استمرار مثل هذه المبادرات ليس ترفاً، بل ضرورةٌ تربوية واجتماعية تُسهم في اكتشاف المواهب وصقلها تمهيداً لإدماجها في مساراتٍ احترافية، وترسّخ قيم الانضباط والروح الرياضية، وتحمي الناشئة من الفراغ ومغرياته. ولعلّ ما يتمنّاه الغيورون على الشأن الرياضي المحلي أن تتضافر جهود كلّ الأطراف المعنية — من سلطاتٍ ومجالس منتخبة وفعالياتٍ جمعوية — لإعادة الروح إلى هذا الدوري، ومنح أطفال خريبكة ما يستحقّونه فعلاً: فضاءً يلعبون فيه بحرية، وحلماً يكبرون معه.

