بقلم: محمد جواد سيفاو
يقين 24
لم تعد أزمة الماء بمدينة سيدي علال البحراوي مجرد إشكال مرتبط بندرة التساقطات أو بتراجع الموارد المائية، بل تحولت إلى قضية اجتماعية تطرح أسئلة عميقة حول نجاعة تدبير المرافق العمومية، ومدى قدرة المؤسسات على ضمان حق دستوري يعد من أبسط حقوق المواطنين.
ومع كل فصل صيف، تتجدد معاناة الساكنة مع الانقطاعات المتكررة للماء الصالح للشرب، في مشهد بات مألوفاً لدى الأسر التي تجد نفسها مضطرة إلى البحث عن حلول بديلة لتأمين حاجياتها اليومية، وسط تزايد المخاوف من استمرار الأزمة في ظل الارتفاع المطرد لدرجات الحرارة.
وتأتي هذه الوضعية في سياق وطني يتسم بتفاقم الإجهاد المائي، بعدما تراجعت الموارد المائية المتاحة للفرد بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، نتيجة توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية. ورغم المشاريع الكبرى التي أطلقتها الدولة، وفي مقدمتها محطات تحلية مياه البحر وبرامج تعزيز الأمن المائي، فإن عدداً من المناطق لا يزال يواجه اختلالات مرتبطة بالتوزيع المحلي والبنيات التحتية.
وتبرز سيدي علال البحراوي نموذجاً واضحاً لهذا التحدي، خاصة في ظل النمو الديمغرافي الذي شهدته المدينة خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع عدد سكانها بشكل لافت، وهو ما فرض ضغطاً متزايداً على شبكات الماء والتجهيزات الأساسية، دون أن يواكب ذلك، وفق ما يؤكده عدد من المتتبعين، توسع مماثل في البنيات التحتية.
وتشير معطيات محلية إلى أن الانقطاعات أصبحت تمتد لساعات طويلة، بل ولأيام في بعض الفترات، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وأثر على الأنشطة الاقتصادية والخدمات، خاصة بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود التي لا تملك إمكانيات اللجوء إلى حلول بديلة.
كما أثارت جودة المياه عقب عودتها إلى الشبكة موجة من القلق، بعد تداول صور ومقاطع فيديو تظهر تغير لونها في بعض الحالات، وهو ما دفع عدداً من المواطنين إلى المطالبة بإجراء مراقبة دورية لجودة المياه وتوضيح أسباب هذه الاختلالات للرأي العام.
ويضمن الدستور المغربي، من خلال الفصل 31، حق المواطنين في الولوج إلى الماء، كما ينسجم هذا الحق مع أهداف التنمية المستدامة التي تدعو إلى ضمان توفير المياه بشكل مستدام لجميع السكان، وهو ما يجعل تدبير هذا القطاع مسؤولية جماعية تتطلب تنسيقاً بين مختلف المتدخلين.
ويجمع عدد من الفاعلين على أن مواجهة هذه الأزمة تستدعي الانتقال من الحلول الظرفية إلى رؤية استباقية تقوم على تحديث شبكات التوزيع، وتسريع الاستثمارات في البنيات التحتية، وتعزيز الحكامة المحلية، إلى جانب اعتماد سياسة تواصل واضحة مع الساكنة تضمن إطلاعها على مختلف المستجدات والإجراءات المتخذة.
وتبقى أزمة الماء بسيدي علال البحراوي مؤشراً على أن تدبير الموارد الطبيعية لم يعد شأناً تقنياً فقط، بل أصبح رهاناً تنموياً ومجتمعياً يرتبط بجودة الخدمات العمومية، ويؤثر بشكل مباشر في علاقة المواطن بالمؤسسات، وفي مستوى الثقة التي تعد أساس أي مشروع تنموي ناجح.

