يقين 24-أبو رياض
لم يكن سقوط حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021 مجرد هزيمة انتخابية عابرة، ولا مجرد نتيجة لقانون انتخابي جديد كما حاول بعض قادته الترويج. ما وقع كان، في جزء كبير منه، عقابا شعبيا لحزب وصل إلى رئاسة الحكومة محمولا على آمال واسعة، ثم غادرها بعدما ترك وراءه شعورا عميقا بالخذلان لدى فئات من المواطنين الذين منحوه ثقتهم.
دخل الحزب إلى السلطة بخطاب قوي عن محاربة الفساد، وحماية القدرة الشرائية، والدفاع عن الفقراء والطبقة المتوسطة. كان قادته يتحدثون بلغة قريبة من الناس، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم أبناء الشارع الذين يعرفون معاناة الأسر وتكاليف الحياة اليومية. لكن ما إن استقر الحزب في مقاعد الحكومة حتى بدأت الشعارات تتراجع أمام قرارات لم يجد المواطن البسيط نفسه فيها.
أبرز هذه القرارات كان رفع الدعم عن المحروقات وتحرير أسعار البنزين والغازوال. قرار قيل إنه سيخفف العبء عن ميزانية الدولة ويصلح صندوق المقاصة، لكنه وضع المواطن في مواجهة مباشرة مع تقلبات السوق وشركات توزيع المحروقات. ومنذ ذلك الحين، لم يعد ارتفاع سعر الوقود مشكلة تخص أصحاب السيارات فقط، بل أصبح ينعكس على النقل والمواد الغذائية وكلفة الإنتاج والخدمات، أي على كل تفاصيل الحياة اليومية.
الحكومة التي قادها العدالة والتنمية تخلصت من عبء دعم المحروقات، لكنها لم توفر في المقابل آليات قوية تضمن المنافسة وتحمي المستهلك من ارتفاع الأسعار وهوامش الربح. وهكذا ربحت حسابات المالية العمومية، بينما خسر المواطن جزءا من قدرته الشرائية.
لم يشعر المغاربة بأن الحزب الذي وعد بحمايتهم وقف إلى جانبهم عندما بدأت جيوبهم تئن. بل وجدوا أنفسهم أمام خطاب يطلب منهم باستمرار تفهم صعوبة المرحلة وتحمل كلفة الاصلاح. لكن الاصلاح، في تجربة العدالة والتنمية، كان في كثير من الأحيان اسما ناعما لقرارات مؤلمة يدفع ثمنها الموظف والاجير والمتقاعد والمواطن محدود الدخل.
وجاء اصلاح التقاعد ليعمق هذا الشعور. فقد رفعت الحكومة سن الاحالة على التقاعد، وزادت مساهمات الموظفين وغيرت طريقة احتساب المعاشات. مرة أخرى، كان الحل الاسهل هو تحميل الاجير كلفة اختلالات لم يكن مسؤولا عن تراكمها. الموظف الذي انتظر تحسين وضعه الاجتماعي وجد نفسه يشتغل مدة اطول، ويدفع اقتطاعات اكبر، وينتظر معاشا اقل مما كان يتوقع.
أما الحوار الاجتماعي، فقد تحول خلال فترات طويلة إلى لقاءات متعثرة ووعود مؤجلة. كانت النقابات ترفع مطالب تحسين الاجور وحماية القدرة الشرائية، بينما كانت الحكومة تتعامل معها بمنطق الارقام والتوازنات المالية. وغاب التوافق في ملفات حساسة، واتسعت المسافة بين الحكومة والشغيلة، رغم أن الحزب بنى جزءا من خطابه الانتخابي على القرب من الطبقات الشعبية.
هنا بدأت صورة الحزب تتشقق. فالناخب الذي صوت لشعار الدفاع عن المستضعفين اكتشف أن صوت الفئات الهشة لم يكن دائما حاضرا عند اتخاذ القرارات الكبرى. والحزب الذي كان يهاجم الحكومات السابقة بسبب غلاء المعيشة، وجد لنفسه بعد الوصول إلى السلطة مبررات جاهزة لتمرير قرارات تضرب القدرة الشرائية.
حتى شعار محاربة الفساد، الذي شكل حجر الاساس في صعود العدالة والتنمية، تحول مع مرور السنوات إلى مجرد عنوان سياسي فقد الكثير من بريقه. لم يلمس المواطن تحولا حقيقيا في مواجهة الريع وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبدل تقديم نتائج واضحة، ظهر خطاب يتحدث عن العفاريت والتماسيح وعن قوى تعرقل الاصلاح.
لكن المواطن لا ينتخب حزبا لكي يخبره بعد سنوات بأنه لم يكن قادرا على تنفيذ وعوده. الناخب يمنح الثقة لمن يتحمل المسؤولية، لا لمن يكتفي بوصف العراقيل بعد الوصول إلى الحكم. ومن يعجز عن التغيير عليه أن يعترف بعجزه، لا أن يحول الفشل إلى بطولة سياسية.
كما أن الحزب الذي قدم نفسه باعتباره نموذجا استثنائيا في النزاهة لم يكن محصنا من القضايا التي طالت بعض منتخبيه ومسؤوليه. فقد تناولت الصحافة ملفات متابعات وأحكاما وشبهات مرتبطة بأسماء تنتمي إليه، مثلما يحدث داخل أحزاب أخرى. والمسؤولية القانونية تظل فردية، ولا يجوز تعميمها على جميع المنتمين إلى الحزب، لكنها تسقط على الأقل وهم الحزب الطاهر الذي يملك وحده حق توزيع شهادات النزاهة والفساد.
المشكلة ليست في وجود أخطاء فردية داخل حزب سياسي، فهذا ممكن في كل التنظيمات. المشكلة في الخطاب الذي يقدم أعضاء الحزب باعتبارهم فوق الشبهة، ثم يتحول عند ظهور قضية تخص أحدهم إلى الحديث عن المؤامرة والاستهداف، بينما تصبح الشبهة في حق الخصوم دليلا كافيا لإدانتهم سياسيا وأخلاقيا.
المفارقة أن العدالة والتنمية، الذي ينتقد اليوم تواصل خصومه بشأن المشاريع العمومية، سبق له عندما كان يقود الحكومة والجماعات الكبرى أن قدم البرامج والاوراش باعتبارها جزءا من حصيلته السياسية. فما الذي تغير؟ ولماذا كان الحديث عن المشاريع إنجازا مشروعا عندما يتعلق الامر بوزرائه ورؤساء جماعاته، ثم أصبح ركوبا سياسيا عندما يتحدث عنها منافسوه؟
السياسة ليست خطبة أخلاقية تلقى على الآخرين، بل مسؤولية وحصيلة وذاكرة. وذاكرة المغاربة لا تنسى أن الحزب الذي وصل بأصوات البسطاء كان وراء قرارات جعلت هؤلاء البسطاء يدفعون كلفة الاصلاح. ولا تنسى أن من وعد بحماية القدرة الشرائية حرر أسعار المحروقات، ومن وعد بالدفاع عن الموظفين مرر اصلاحا مؤلما للتقاعد، ومن رفع شعار الحوار دخل في توترات متواصلة مع النقابات.
بعد عشر سنوات من قيادة الحكومة، انهار الحزب انتخابيا وانتقل من قوة سياسية تتصدر المشهد إلى تنظيم لم يحتفظ سوى بعدد محدود من المقاعد. لم تكن تلك النتيجة مؤامرة كاملة ولا حادثا تقنيا، بل كانت في جانب كبير منها تصويتا عقابيا من مواطنين شعروا بأن الحزب خيب انتظاراتهم ولم يحافظ على الامانة الشعبية كما كانوا يأملون.
واليوم، يحاول العدالة والتنمية العودة إلى المشهد من خلال خطاب المظلومية والحديث عن فساد المنافسين وأخطاء الحكومة الحالية. ومن حقه أن يعارض وينتقد، فهذا جزء من العمل الديمقراطي. لكنه لا يستطيع أن يتصرف وكأن المغاربة فقدوا الذاكرة، أو كأن عشر سنوات من الحكم يمكن محوها ببلاغات نارية وخطب مؤثرة.
قبل أن يحاكم الحزب الآخرين، عليه أن يقدم حسابه هو. عليه أن يشرح للمغاربة ماذا فعل بثقتهم، ولماذا كانت كلفة قراراته تسقط في الغالب على الموظف والاجير والمستهلك، ولماذا فشل في تحويل خطاب محاربة الفساد إلى نتائج ملموسة، ولماذا لم يحم القدرة الشرائية كما وعد.
إن النقد الذاتي الحقيقي لا يبدأ باتهام الخصوم، بل بالاعتراف بأن الحزب أخطأ وخيب آمال جزء واسع من ناخبيه. أما الاستمرار في تقديم التجربة وكأنها نجاح أحبطته المؤامرات، فهو هروب آخر من الحقيقة.
لقد وصل العدالة والتنمية إلى الحكم بأصوات من صدقوا وعوده، لكنه خرج منه بعدما اكتشف كثيرون أن المسافة بين الكلام والقرار كانت شاسعة. وبين شعار الدفاع عن المواطن وسياسة تحميله كلفة الاصلاح، ضاعت الثقة وسقط الحزب من أعين ناخبين رأوا في تجربته واحدة من أكبر الخيبات السياسية خلال العقد الماضي.

