بقلم :محمد الحدوشي
هناك لحظة يصبح فيها الصمت عن الرداءة نوعاً من المساهمة في انتشارها.
وما أصبح ينتشر في بعض الحفلات والسهرات تحت مسمى «فن الشيخات» يستحق أن يقال فيه الكلام بوضوح، بعيداً عن المجاملات ومحاولات البحث عن تبريرات جاهزة لكل ما يقدم باسم الفن.
لأن السؤال لم يعد هل نحب هذا اللون الفني أم لا؟
السؤال أصبح هل ما نشاهده اليوم فن أصلاً؟
حين تتحول المنصة إلى استعراض للإيحاءات الجنسية، وحين يصبح الرقص المثير أهم من الصوت، والجسد أهم من الكلمة، ولفت الأنظار أهم من الموهبة، وحين تقاس «نجومية» بعض الأسماء بما تجمعه من مشاهدات ومقاطع مثيرة للجدل، فنحن أمام شيء آخر يتم تسويقه باسم الفن.
والمثير للاستغراب أن بعض هذه العروض أصبحت تعرف تنافساً في جرعة الإثارة نفسها، حركات أكثر إيحاءً، وصخب أكثر، ومبالغة أكبر في استدراج الجمهور إلى التفاعل.
وكأن المطلوب لم يعد أن يستمتع الحاضر بالموسيقى، بل أن ينتظر الحركة الأكثر إثارة ليخرج هاتفه ويصورها!
ثم جاءت ظاهرة «الترياش» لتضيف إلى المشهد بعداً آخر.
أوراق نقدية تتطاير فوق الرؤوس، وأموال توضع أمام المؤديات أو ترمى خلال الرقص، ومزايدات بين بعض الحاضرين على من يدفع أكثر، بينما تستمر الكاميرات في التصوير لتتحول الحفلة من مناسبة للفرح إلى استعراض متبادل، واحدة تستعرض، وآخر يستعرض ما في جيبه.
فأي رسالة يقدمها هذا المشهد؟
وهل أصبح معيار نجاح الفنانة هو مقدار الأموال التي تنثر عليها؟
إن «الترياش»، بالشكل الاستعراضي الذي يظهر في بعض المقاطع، لا يضيف قيمة فنية إلى الأغنية ولا يجعل الصوت أجمل ولا الكلمات أرقى. إنه في أحسن الأحوال استعراض للمال، وفي أسوأ صوره يتحول إلى جزء من منظومة الإثارة نفسها. كلما ارتفعت جرعة الاستعراض، ارتفعت معها الأموال المتناثرة، وارتفعت الهواتف لتوثيق المشهد، ثم تبدأ الجولة الثانية على مواقع التواصل الاجتماعي.
وهكذا أصبحنا أمام دائرة مغلقة.
إثارة تجلب المشاهدات، والمشاهدات تصنع الشهرة، والشهرة ترفع الطلب، والطلب يجلب المال، والمال يشجع على مزيد من الإثارة.
ثم نضع فوق كل ذلك كلمة واحدة محترمة «الفن»!
لا.
ليس كل ما يحدث فوق منصة فناً.
وليس كل من اشتهر فناناً.
وليس كل من جمع ملايين المشاهدات صاحب موهبة.
وليس كل من نثرت فوقه الأوراق النقدية نجماً يستحق أن يقدم نموذجاً للمجتمع.
الفن الحقيقي لا يحتاج إلى أن يستجدي انتباه الجمهور بالإيحاءات الجنسية حتى يعيش، ولا يحتاج إلى استعراض المال حتى يثبت نجاحه، ولا يحتاج إلى تحويل المرأة إلى جسد معروض أمام عدسات الهواتف حتى يصنع الفرجة.
وما يزيد الصورة سوءاً أن بعض هذه الحفلات قد تقترن بأجواء يطبعها الإفراط في شرب الخمر أو تظهر فيها سلوكيات مرتبطة بالمخدرات والانفلات، فتكتمل الصورة. موسيقى صاخبة، إيحاءات، أموال متناثرة، هواتف تصور، ومقاطع تنتظر صباح اليوم التالي لتغزو مواقع التواصل الاجتماعي.
ثم تبدأ آلة «البوز».
صفحات تعيد النشر.
متابعون يتجادلون.
مقاطع تحقق ملايين المشاهدات.
وأسماء لم تقدم إنتاجاً فنياً ذا قيمة تصبح حديث الناس أياماً وربما أسابيع.
وهنا تتحمل مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً كبيراً من المسؤولية، لأنها صنعت اقتصاداً جديداً للرداءة، حيث لم يعد النجاح مرتبطاً بالموهبة بالضرورة، بل بقدرة الشخص على إثارة الناس، ولو بالغضب والاستفزاز.
والأخطر من الابتذال نفسه هو التطبيع معه.
أن يشاهد الطفل والمراهق هذه المقاطع مراراً، وأن يرى أن الطريق الأسرع إلى الشهرة هو الإثارة، وأن يشاهد الأموال وهي تنثر مقابل هذا النوع من الاستعراض، ثم نقدم له كل ذلك تحت لافتة «الفن»، فهنا يجب أن نسأل أنفسنا أي نموذج اجتماعي نصنع؟
القضية ليست حرباً على الفرح، ولا دعوة إلى تحويل المجتمع إلى فضاء مغلق.
الناس من حقهم أن يفرحوا ويرقصوا ويغنوا ويقيموا حفلاتهم.
لكن الفرح شيء، والابتذال شيء آخر.
والفن شيء، وتحويل الجسد والإيحاءات إلى وسيلة لجذب الجمهور شيء آخر.
والكرم شيء، وتحويل «الترياش» إلى استعراض للمال والمزايدة أمام الكاميرات شيء آخر.
أما القول إن كل نقد لهذا المشهد هو تضييق على الفن أو الحرية، فهو اختزال مريح للهروب من السؤال الحقيقي.
من قال إن الحرية تعني إلغاء النقد؟
حرية التعبير تسمح لك بأن تقدم ما تراه فناً، لكنها تسمح للمجتمع أيضاً بأن يقول لك إن ما تقدمه رديء، مبتذل، ولا يمثل الذوق الذي نريده لأبنائنا وفضائنا العام.
ولا ينبغي أن نسمح لكلمة «الفن» بأن تصبح مظلة سحرية نحتمي بها كلما عجزنا عن الدفاع عن مضمون ما نقدمه.
فإذا نزعت من بعض هذه العروض الإيحاءات، والاستعراض الجسدي، والترياش، والصخب، والتصوير من أجل «البوز»… فماذا يتبقى من القيمة الفنية؟
ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يطرح.
نحن في حاجة إلى إعادة الاعتبار للذوق العام، وإلى التوقف عن صناعة النجوم من كل من نجح في إثارة الجدل، وإلى التمييز بين الحرية وبين تسويق الرداءة باعتبارها إبداعاً.
لأن المجتمع الذي يصفق لكل شيء، يفقد تدريجياً القدرة على التمييز بين الجميل والقبيح، وبين الإبداع والاستعراض، وبين الفن والابتذال.
ولذلك نقولها دون مواربة.
حين تصبح الإيحاءات الجنسية وسيلة للنجاح، و«الترياش» مقياساً للشهرة، والجسد وسيلة لجلب المشاهدات، و«البوز» غاية في حد ذاته، فلا تطلبوا منا أن نصف المشهد بالفن لمجرد أن الموسيقى تعزف في الخلفية.
فالفن يرتقي بالذوق.
أما الابتذال، فمهما زيناه بالأضواء والموسيقى والشهرة والأموال المتطايرة، سيظل ابتذالاً.

