لم تدخل مديحة خيير المشهد السياسي بجهة بني ملال خنيفرة من بوابة الصخب، ولم تبن حضورها على كثافة التصريحات بقدر ما اختارت، منذ وصولها إلى مجلس النواب سنة 2021، الاشتغال على مسار أكثر هدوءا وتعقيدا: نقل ملفات المنطقة من النقاش المحلي إلى المؤسسات المركزية، وتحويل جزء من مطالب الساكنة إلى أسئلة برلمانية ومراسلات ولقاءات مع القطاعات الحكومية.
وبعد سنوات قليلة، تجد البرلمانية الاستقلالية نفسها اليوم أمام محطة مختلفة تماما. فحزب الاستقلال اختارها لقيادة لائحته المحلية بدائرة بني ملال في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بعدما كانت قد دخلت البرلمان عبر اللائحة الجهوية سنة 2021، في انتقال من تمثيلية نسائية جهوية إلى مواجهة مباشرة مع صناديق الاقتراع داخل واحدة من أكثر الدوائر السياسية تنافسا بالجهة.
إنه انتقال يحمل في طياته أكثر من دلالة. فالحزب لا يدفع هذه المرة باسم نسائي إلى واجهة السباق فقط، بل يراهن على شخصية راكمت خلال الولاية التشريعية الحالية رصيدا من الترافع حول قضايا مرتبطة مباشرة بإقليم بني ملال والجهة.
وتشير معطيات منشورة حديثا إلى أن حصيلة خيير وصلت إلى نحو 144 سؤالا رقابيا، توزعت على ملفات النقل والبنيات التحتية والصحة والتشغيل والفلاحة والماء ومطالب عدد من الجماعات والمناطق القروية، وهو رقم يمنح صورة عن كثافة استعمالها للآليات الرقابية المتاحة للنائب البرلماني، وإن كانت القيمة السياسية لهذه الأسئلة تقاس، في نهاية المطاف، بما تستطيع أن تحركه من قرارات أو نقاشات أو التزامات حكومية.
السكة الحديدية.. حين انتقل النقاش من المسار التقني إلى قضية ترابية
من أبرز الملفات التي ارتبطت باسم مديحة خيير مشروع الربط السككي لبني ملال.
فعندما أثير توجه لربط بني ملال بخريبكة عبر الفقيه بن صالح، دخلت خيير على الخط بسؤال كتابي إلى وزير النقل واللوجستيك، ناقلة إلى البرلمان اعتراضات مرتبطة باستبعاد قصبة تادلة وأبي الجعد من المسار المقترح.
وقد بنت مرافعتها على معطيات جغرافية واقتصادية وديمغرافية، معتبرة أن مرور الخط عبر أبي الجعد وقصبة تادلة يمكن أن يخدم كتلة سكانية وحركية اقتصادية مهمة، فضلا عن خصوصية قصبة تادلة ووجود منشآت ومؤسسات عسكرية بها، قبل أن تطالب الوزارة بإعادة النظر في المسار المقترح.
وأهمية هذا الملف بالنسبة إلى مسار خيير لا تكمن فقط في سؤال برلماني أضيف إلى أرشيف مجلس النواب، بل في أنه جسد الطريقة التي حاولت بها ممارسة دورها: التقاط مطلب محلي، منحه بعدا مؤسساتيا، ثم إبقاؤه حاضرا في النقاش مع الوزارة.
وهو نموذج سيظل الحكم النهائي عليه مرتبطا بما ستسفر عنه الدراسات والقرارات الرسمية الخاصة بالمسار النهائي للمشروع.
مطار بني ملال.. من الحج إلى رهان أليكانتي
الملف الثاني الذي أخذ حيزا مهما من تحركات النائبة الاستقلالية يتعلق بمطار بني ملال، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة من منشأة محدودة الحضور في النقاش العمومي إلى أحد الملفات التنموية التي تعقد عليها الجهة آمالا كبيرة لفك عزلتها وتعزيز ارتباطها بالجالية المغربية المقيمة بالخارج.
وفي مارس 2025، كشفت جريدة “الصباح” أن وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح تجاوب مع طلب تقدمت به مديحة خيير لتخصيص رحلات من مطار بني ملال لفائدة حجاج جهة بني ملال خنيفرة، بعد سؤال كتابي وجهته في الموضوع.
بعد ذلك، واصلت خيير الضغط في اتجاه توسيع العرض الجوي، وبرز تحديدا ملف فتح خط مباشر يربط بني ملال بمدينة أليكانتي الإسبانية، بالنظر إلى الحضور الكبير لأبناء الجهة بشرق إسبانيا.
وتفيد مصادر صحفية بأن النائبة وجهت سؤالا بشأن تسريع إخراج هذا الربط إلى حيز الوجود، وقدمت الملف باعتباره ليس مجرد مطلب للجالية، بل مشروعا يمكن أن تكون له انعكاسات على السياحة والاستثمار وحركية الأشخاص وربط أبناء المنطقة بأسرهم.
وهنا تحديدا تظهر إحدى السمات التي طبعت تجربتها: محاولة الاشتغال على ملفات قد تبدو في بدايتها جزئية أو محلية، لكنها تحمل أبعادا اقتصادية واجتماعية أوسع.
قصبة تادلة.. المدينة الحاضرة بقوة في أجندتها
وبحكم ارتباطها بقصبة تادلة، احتلت المدينة مساحة واضحة في تحركات خيير، خصوصا في ملفات الطرق والتأهيل الحضري.
ومن بين الملفات التي جرى تداولها مؤخرا مشروع تثنية الطريق بين قصبة تادلة وأولاد يعيش، الذي تشير معطيات صحفية إلى أنه بدأ بمساءلة وزارة التجهيز والماء، قبل أن تتوالى بشأنه اتصالات ولقاءات، وصولا إلى الاشتغال على صيغة شراكة ودراسة للمشروع.
كما ظهرت خيير في الأسابيع الأخيرة وهي تتحدث عن مشاريع تهيئة مجموعة من شوارع قصبة تادلة، مؤكدة أن إخراج هذه الأوراش جاء بعد ترافع وتنسيق مع القطاعات المعنية. وهي مشاريع يظل إنجازها، بطبيعة الحال، عملا مؤسساتيا تشارك فيه الوزارة والجماعة والجهة وباقي المتدخلين، لكن الدور البرلماني يظهر أساسا في الدفع بالملف والمتابعة والترافع بشأنه لدى أصحاب القرار.
وهذه النقطة تحديدا ضرورية لفهم شخصية مديحة خيير السياسية: فهي لا تقدم نفسها باعتبارها صاحبة القرار التنفيذي، لأن النائب البرلماني لا يعبد الطرق ولا يبني المستشفيات ولا يفتح الخطوط الجوية، وإنما باعتباره حلقة ضغط وترافع بين المجال الترابي ومراكز القرار.
ومن هنا يمكن قياس نجاح أو فشل البرلماني: هل استطاع إيصال الملف؟ هل طرق الأبواب؟ هل تابع الجواب؟ وهل انتقل المطلب من مجرد شكاية محلية إلى أجندة القطاع الحكومي المختص؟
الصحة.. الخصاص الذي وصل إلى البرلمان
ولم تقتصر أجندة خيير على المشاريع الكبرى.
فالموقع الرسمي لمجلس النواب يوثق أسئلة متعددة لها مرتبطة بقضايا اجتماعية ومحلية في إقليم بني ملال، كما برز ملف الصحة ضمن اهتماماتها، خصوصا ما يتعلق بالخصاص في الموارد البشرية والخدمات الصحية بالمناطق النائية.
وهو ملف شديد الحساسية في جهة مترامية الأطراف، تضم مناطق جبلية وقروية تعاني صعوبات الولوج إلى الخدمات الأساسية، لذلك أخذت المطالبة بتحسين العرض الصحي وتقوية الموارد البشرية مكانها ضمن خطابها الرقابي.
التشغيل.. حين قالت للوزير إن في كل بيت عاطلا
لكن الملف الذي ربما يحمل أكبر حمولة اجتماعية في خطاب مديحة خيير هو التشغيل.
فمنذ السنوات الأولى لولايتها البرلمانية، أعادت خيير قضية البطالة بجهة بني ملال خنيفرة إلى النقاش داخل البرلمان، مطالبة بإجراءات لخلق فرص عمل للشباب ومحذرة من العلاقة بين غياب الآفاق الاقتصادية وبين استمرار الهجرة غير النظامية والمغامرة عبر قوارب الموت.
وهذا الخطاب يعكس إدراكا لإحدى المفارقات الكبرى التي تعيشها الجهة: مجال غني بالموارد الفلاحية والطبيعية والبشرية، لكنه لا يزال يعاني محدودية الاستثمار الصناعي وفرص الشغل مقارنة بأقطاب وطنية أخرى.
لذلك لم يكن ملف التشغيل بالنسبة إليها منفصلا عن النقل أو الطرق أو المطار أو الاستثمار؛ فالمنطق الذي تكرر في مداخلاتها يقوم على أن فك العزلة وتحسين البنيات التحتية واستقطاب الاستثمار ليست ملفات تقنية متفرقة، بل أجزاء من سؤال واحد: كيف تصبح جهة بني ملال خنيفرة قادرة على الاحتفاظ بشبابها؟
من برلمانية جهوية إلى لاعبة في قلب المعادلة
سياسيا، ربما يكون أهم تحول في مسار مديحة خيير قد حدث خارج قاعة البرلمان.
فصعود اسمها داخل حزب الاستقلال، ووصولها إلى اللجنة التنفيذية، ثم اختيارها لقيادة اللائحة المحلية للحزب ببني ملال، يعني أنها انتقلت تدريجيا من موقع البرلمانية التي تمثل الجهة إلى موقع الشخصية التي يريد الحزب أن يجعل منها إحدى واجهاته الرئيسية بالإقليم. وتؤكد مصادر صحفية حديثة صفة عضويتها باللجنة التنفيذية للحزب، كما تؤكد تزكيتها على رأس اللائحة المحلية ببني ملال.
وهذا التحول لا يمكن فصله عن النتائج التي حققها حزب الاستقلال محليا، ولا عن الحركية التنظيمية التي شهدها خلال الفترة الأخيرة.
مديحة خيير باتت، بهذا المعنى، أمام اختبار أكثر صعوبة من إنتاج الأسئلة البرلمانية أو الحضور في اللقاءات: اختبار القدرة على تحويل الرصيد الترافعي والشبكة التنظيمية والحضور الميداني إلى ثقة انتخابية مباشرة.
“المهندسة” الجديدة للتوازنات؟
قد يبدو وصف مديحة خيير بـ”مهندسة” المشهد السياسي الجديد في بني ملال مبكرا بالنسبة للبعض، لكنه ليس وصفا بلا أساس إذا استعمل بمعناه السياسي لا التقني.
فالسياسة المحلية لا يعاد تشكيلها دائما بالخطب الكبرى. أحيانا يعاد تشكيلها بتراكم التفاصيل: ملف طريق، سؤال حول مستشفى، اجتماع بشأن مطار، تدخل لإعادة النظر في مسار سكة حديدية، شكوى من جماعة قروية، لقاء مع وزير، ثم عودة إلى الميدان لشرح ما حدث.
هذه التفاصيل هي التي صنعت، بالتدريج، صورة سياسية مختلفة لمديحة خيير.
صورة امرأة لا تبحث فقط عن حضور داخل المؤسسة التشريعية، وإنما تحاول أن تجعل من البرلمان جسرا بين بني ملال والرباط، وأن تحول القرب من المواطنين إلى ملفات مكتوبة تحمل أرقاما وأسماء جماعات ومطالب محددة.
لكن السياسة لا تمنح شيكا على بياض لأحد.
والاختبار الحقيقي لأي منتخب يظل في حجم ما يتحول من ترافع إلى أثر ملموس، وفي قدرته على الاستمرار في الدفاع عن المنطقة سواء اقترب موعد الانتخابات أو ابتعد.
مديحة خيير تدخل المرحلة المقبلة وفي يدها عنصر لا يتوفر بالضرورة لجميع منافسيها: حصيلة يمكن العودة إليها ومناقشتها وقياسها.
144 سؤالا، ملفات السكة والمطار والطرق والصحة والتشغيل والفلاحة، وحضور متزايد داخل القيادة الوطنية لحزب الاستقلال؛ كلها عناصر تجعلها اليوم واحدة من الشخصيات التي يصعب قراءة مستقبل الخريطة السياسية بإقليم بني ملال دون التوقف عند اسمها.
وبين من يعتبرها “المرأة الحديدية” التي فرضت إيقاعا جديدا في السياسة المحلية، ومن يرى أن الحكم النهائي يجب أن ينتظر ما ستقوله المشاريع على الأرض وصناديق الاقتراع، ثمة حقيقة سياسية باتت واضحة: مديحة خيير لم تعد مجرد اسم ضمن لائحة المنتخبين بالجهة، بل أصبحت جزءا من معادلة التوازنات نفسها.
والاستحقاق المقبل سيكون اللحظة التي ستكشف إن كان هذا المسار قد صنع مجرد حضور سياسي قوي، أم أنه بصدد صناعة زعامة محلية جديدة في قلب جهة بني ملال خنيفرة.

