يقين 24
يتواصل نزيف الكفاءات الطبية بالمغرب، في وقت تواجه فيه المنظومة الصحية الوطنية تحديات متزايدة على مستوى الموارد البشرية والتجهيزات وظروف ممارسة المهنة، بعدما كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن نحو 700 طبيب مغربي يغادرون البلاد سنوياً للعمل في الخارج.
وأفادت الصحيفة الفرنسية، في تقرير نشرته ضمن قسم «لوموند أفريقيا»، بأن هذا الرقم، المستند إلى معطيات منظمات مهنية، قد لا يعكس الحجم الكامل للهجرة الطبية، بالنظر إلى أن عدداً من طلبة الطب يخططون لمغادرة المغرب في مراحل مبكرة من تكوينهم، فيما يتوجه آخرون إلى الخارج لاستكمال تخصصاتهم قبل الاستقرار هناك.
وتتصدر فرنسا قائمة الوجهات التي يقصدها الأطباء المغاربة، وفق المعطيات التي أوردها التقرير، تليها كل من كندا وبلجيكا وألمانيا ودول الخليج، في ظل الطلب المتزايد على الكفاءات الطبية في عدد من الأنظمة الصحية الأجنبية.
وبحسب «لوموند»، فإن قرار مغادرة المغرب لا يرتبط فقط بمستوى الأجور، وإنما تدفع إليه أيضاً عوامل مرتبطة بظروف ممارسة المهنة، وجودة التكوين، وتوفر التجهيزات والوسائل الطبية الضرورية.
ونقلت الصحيفة عن الاقتصادية والباحثة في ديناميات الهجرة جميلة شقروني أن هجرة الأطباء لا ينبغي النظر إليها باعتبارها ظاهرة ظرفية، بل أصبحت اتجاهاً مستمراً تغذيه، من جهة، الصعوبات التي تواجه المنظومة الصحية المغربية، ومن جهة أخرى، جاذبية عدد من الأنظمة الصحية الأجنبية التي تبحث بدورها عن أطر طبية مؤهلة.
وأورد التقرير شهادة لطالبة في السنة السابعة بكلية الطب والصيدلة بوجدة، تستعد لمغادرة المغرب من أجل متابعة تكوينها في بلجيكا، معتبرة أن نظرة عدد من الطلبة إلى مستقبلهم المهني داخل البلاد تغيرت خلال السنوات الأخيرة.
وتحدثت الطالبة، وفق ما نقلته الصحيفة، عن تجربة عاشتها خلال إحدى الحراسات الليلية، واجهت خلالها حالة استعجالية في غياب دواء أساسي للإنعاش، وهي تجربة قالت إنها ساهمت في تعزيز قناعتها بضرورة البحث عن آفاق مهنية خارج المغرب.
وتأتي هذه المعطيات في سياق تعرف فيه المنظومة الصحية المغربية خصاصاً في الموارد البشرية، إذ أشارت «لوموند» إلى أن حاجيات القطاع خلال الفترة 2025-2026 تقدر بنحو 83 ألف منصب، من بينها حوالي 28 ألف منصب مخصص للأطباء.
ويطرح استمرار مغادرة مئات الأطباء سنوياً تحدياً إضافياً أمام القطاع، إذ لا يتعلق الأمر فقط بتكوين أطباء جدد، وإنما أيضاً بالحاجة إلى تعويض الكفاءات التي تغادر البلاد، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على حجم الضغط الواقع على الأطر الطبية الموجودة، خاصة في المناطق القروية والنائية وبعض التخصصات التي تعرف طلباً مرتفعاً في الخارج.
كما أن آثار الهجرة الطبية لا تتوقف عند الخصاص في الموارد البشرية، بل تمتد إلى الاستثمار العمومي في التكوين، بعدما تقضي الدولة سنوات في تكوين الطبيب قبل أن تستفيد أنظمة صحية أجنبية من كفاءاته وخبرته المهنية.
وربط التقرير الفرنسي بين هجرة الأطباء وبين الظروف التي تشتغل فيها بعض المستشفيات العمومية، مستحضراً في هذا السياق أزمة مستشفى الحسن الثاني بأكادير، عقب وفاة ثماني نساء بعد عمليات ولادة قيصرية في غشت 2025، وهي القضية التي أثارت جدلاً واسعاً في المغرب.
وأصبحت قضايا الصحة العمومية وظروف العمل داخل المستشفيات خلال الفترة الأخيرة في صلب نقاش اجتماعي واسع، خصوصاً مع تصاعد مطالب فئات من الشباب والأطر الصحية بتحسين الخدمات وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات اللازمة.
ورغم الإجراءات والوعود التي أعلنتها الحكومة في أعقاب الاحتجاجات المرتبطة بقطاع الصحة، فإن تقرير «لوموند» يرى أن جزءاً من الالتزامات المعلنة لم يتحول بعد إلى تغيير ملموس بالسرعة التي يمكن أن تحد من رغبة عدد من الأطباء في مغادرة البلاد.
وفي مقابل استمرار الهجرة، أوردت الصحيفة الفرنسية شهادات لأطباء مغاربة خاضوا تجارب مهنية في الخارج ثم قرروا العودة إلى المملكة، غير أن العودة لم تكن دائماً سهلة.
ومن بين الحالات التي استعرضها التقرير طبيبة مغربية عادت إلى البلاد بعد سنتين من التخصص في الولايات المتحدة، لتجد نفسها أمام تحديات مرتبطة بواقع ممارسة الطب، خصوصاً في المناطق القروية، حيث يظل نقص التجهيزات والوسائل الطبية عائقاً أمام تقديم بعض الخدمات في ظروف مهنية ملائمة.
وتبرز هذه الشهادات أن معالجة ظاهرة هجرة الأطباء لا ترتبط بالضرورة بمنع الكفاءات من مغادرة البلاد، بقدر ما تتطلب توفير شروط مهنية تجعل البقاء أو العودة خياراً أكثر جاذبية بالنسبة إلى الطبيب المغربي.

