يقين 24
عاد الجدل حول مستقبل المنظومة الصحية بالمغرب إلى الواجهة، بعد تجدد السجال بين حزب التقدم والاشتراكية والجمعية الوطنية للمصحات الخاصة، على خلفية مواقف متباينة بشأن موقع القطاع الخاص ودور المستشفى العمومي في تقديم الخدمات الصحية للمواطنين.
ورد حزب التقدم والاشتراكية على الانتقادات التي وجهها رضوان السملالي، رئيس الجمعية الوطنية للمصحات الخاصة، مؤكداً أن دفاعه عن القطاع الصحي العمومي لا يعني رفض وجود المصحات الخاصة أو التقليل من دورها، وإنما ينطلق من قناعة مفادها أن المستشفى العمومي ينبغي أن يشكل الأساس الذي تقوم عليه المنظومة الصحية الوطنية.
وأوضح الحزب، في بيان حول الموضوع، أن موقفه من المصحات الخاصة لا يقوم على رفض القطاع بشكل مطلق، مشيراً إلى أن هذه المؤسسات يمكن أن تؤدي دوراً مكملاً إلى جانب مستشفى عمومي قوي وقادر على الاستجابة لحاجيات المواطنين.
وشدد التقدم والاشتراكية على أن الصحة تظل خدمة عمومية أساسية، وأن الدولة مطالبة بضمان الولوج إليها بجودة وفي ظروف عادلة، معتبراً أن تقوية القطاع العام لا تتناقض مع استمرار القطاع الخاص، بل تسمح بقيام تكامل بين الطرفين داخل منظومة صحية متوازنة.
وفي رده على الانتقادات الموجهة إليه، استحضر الحزب حصيلته خلال الفترات التي تولى فيها مسؤولية تدبير قطاع الصحة، مشيراً إلى أوراش قال إنه ساهم فيها، من بينها مراجعة أسعار عدد من الأدوية، وإقرار نظام «راميد»، إلى جانب برامج مرتبطة بصحة الأم والطفل والصحة النفسية وتطوير البنيات الصحية.
كما ذكر الحزب أنه كان من بين من فتحوا المجال أمام الاستثمار الخاص في القطاع الصحي، لكنه أوضح أن هذا الانفتاح كان، وفق تصوره، يفترض أن يساهم في سد الخصاص وتوفير الخدمات الصحية في المناطق التي تحتاج إليها.
وبالموازاة مع ذلك، انتقد الحزب ما يعتبره اختلالاً في توزيع موارد التغطية الصحية بين القطاعين العام والخاص، مشيراً إلى أن القطاع الخاص يستفيد، بحسب المعطيات التي أوردها، من نسبة تقارب 90 في المائة من أموال صناديق التغطية الصحية.
واعتبر التقدم والاشتراكية أن هذا الوضع يطرح أسئلة حول الطريقة التي يتم بها تدبير موارد التغطية الصحية، خصوصاً أن جزءاً منها مرتبط بالمال العام أو باشتراكات المؤمنين، داعياً إلى توجيه الموارد بما يضمن تحسين جودة الخدمات وتقوية المرفق الصحي العمومي.
ووجه الحزب في المقابل انتقادات إلى بعض الممارسات التي قال إنها تسجل داخل عدد من المصحات الخاصة، من بينها طلب شيكات على سبيل الضمان، والفوترة غير المعلنة، ورفع بعض تكاليف العلاج، إضافة إلى تفاوت أسعار بعض الخدمات بين القطاعين العام والخاص.
وأكد أن انتقاده لهذه الممارسات لا يعني وضع جميع المصحات الخاصة في خانة واحدة، مشدداً على أن القطاع الخاص له مكانه داخل المنظومة الصحية، شريطة احترام قواعد المهنة والشفافية والحكامة وحقوق المرضى.
وفي جانب آخر من رده، أعاد حزب التقدم والاشتراكية طرح مسألة الاستفادة الفعلية من التغطية الصحية، مشيراً إلى أن حوالي 8.5 ملايين مغربية ومغربي، وفق ما أورده نقلاً عن تقارير لمؤسسات وطنية، لا يزالون خارج تغطية صحية فعلية.
وقال الحزب إن هذه الفئة تجد في المستشفى العمومي الخيار الأساسي للحصول على العلاج، بالنظر إلى محدودية قدرتها على تحمل تكاليف العلاج داخل المصحات الخاصة.
وبناء على ذلك، شدد التقدم والاشتراكية على ضرورة ضمان خدمات صحية جيدة وعادلة لجميع المواطنين، خصوصاً الفئات الهشة، معتبراً أن إصلاح المنظومة الصحية لا يمكن أن ينجح من دون الرفع من مستوى المستشفيات العمومية وتحسين ظروف استقبال وعلاج المرضى.
وكان رضوان السملالي قد انتقد في وقت سابق مواقف حزب التقدم والاشتراكية تجاه المصحات الخاصة، معتبراً أن بعض التصريحات السياسية لا تعكس، بحسبه، الدور الذي أصبح القطاع الخاص يؤديه داخل المنظومة الصحية المغربية.
وأكد السملالي أن عدداً كبيراً من المغاربة يلجؤون إلى المصحات الخاصة، مشيراً إلى أن القطاع أصبح جزءاً أساسياً من العرض الصحي، سواء من حيث الطاقة الاستيعابية أو الخدمات المقدمة.
وفي الوقت نفسه، أقر بوجود ممارسات غير مهنية داخل بعض المؤسسات، لكنه شدد على أن وجود هذه الحالات لا يبرر تعميمها على جميع المصحات والمهنيين العاملين بالقطاع.
ودعا رئيس الجمعية الوطنية للمصحات الخاصة إلى التركيز على تطوير التغطية الصحية وتحسين الولوج إلى العلاج، بما يسمح للمواطن بالاستفادة من خدمات القطاعين العام والخاص في ظروف تحفظ كرامته.
كما أكد أن تقوية المستشفى العمومي لن تكون على حساب المصحات الخاصة، معتبراً أن تطور القطاعين معاً يمكن أن يساهم في تحسين العرض الصحي الوطني.
وبخصوص انتقادات حزب التقدم والاشتراكية لحصيلته خلال فترة تدبيره لوزارة الصحة، قال السملالي إن الحزب سبق أن تحمل مسؤولية القطاع لسنوات، معتبراً أن عدداً من الأوراش لم تعرف، خلال تلك الفترة، التطور المطلوب.
وربط السملالي جانباً من الخطاب السياسي الموجه ضد القطاع الخاص بالسياق الانتخابي، داعياً مختلف الفاعلين إلى عدم تحويل الصحة إلى مادة للمواجهة السياسية، والعمل بدل ذلك على إيجاد حلول عملية لمشاكل المنظومة الصحية.
وبين مواقف حزب التقدم والاشتراكية وانتقادات ممثلي المصحات الخاصة، يبدو أن النقاش لم يعد مرتبطاً فقط بحجم حضور القطاع الخاص، بل بات يتصل بشكل مباشر بمستقبل المستشفى العمومي، وطريقة توزيع موارد التغطية الصحية، وقدرة المنظومة الحالية على ضمان علاج فعلي ومنصف لمختلف فئات المجتمع.
ومع استمرار هذا السجال، يبقى التحدي الأكبر أمام السياسة الصحية هو تحقيق توازن واضح بين تطوير القطاع العمومي وتنظيم القطاع الخاص، بما يضع مصلحة المريض وجودة العلاج في مقدمة الأولويات، بعيداً عن التجاذبات السياسية والمهنية.

