يقين24
يقدم الفنان عدنان قوانين عرضه المسرحي الجديد «أطرش في زفة»، في تجربة تمتد لنحو 45 دقيقة، تجمع بين الدراما والرمزية والحكي، وتضع المتلقي أمام أسئلة مرتبطة بالذاكرة والهوية والسلطة والتقاليد داخل فضاء مسرحي شديد الاختزال.

تجري أحداث العرض داخل مستشفى مغلق وبارد، يتحول تدريجياً إلى فضاء شبيه بالمطهر، حيث تلتقي شخصيتان في ظروف غير مألوفة: «حميد المقدم»، رجل سلطة تحكمه تمثلات ذات خلفية استعمارية ويرتدي بدلة كلاسيكية، و**«عائشة»**، امرأة متشبثة بجذورها وتقاليدها الإسلامية وترتدي لباساً تقليدياً.
ومن خلال هذا اللقاء، ينتقل العرض من حكاية تبدو بسيطة إلى مواجهة داخلية تتكشف خلالها طبقات من الذاكرة والصدمات والأسئلة المرتبطة بعلاقة الفرد بالسلطة والمجتمع.

واختار عدنان قوانين أن يجعل الانتظار أحد المحركات الأساسية للعرض، مستثمراً الزمن المسرحي وحالة الترقب في بناء التوتر بين الشخصيتين، قبل أن تتحول الحكايات التي يتبادلانها إلى وسيلة للكشف عن دواخلهما وماضيهما.
ويعتمد أداء سعد اللبازي وهاجر المسناوي على اشتغال جسدي وصوتي مكثف، من خلال تدريبات استندت إلى تقنيات في التحكم في النفس والطاقة الصوتية والدكتيون، بما يخدم الجانب النفسي للشخصيتين ويمنح الجسد حضوراً أساسياً في بناء المشهد.
وفي السينوغرافيا، اختار غسان الباز الاشتغال على الفراغ باعتباره عنصراً داخل العملية الدرامية، وليس مجرد مساحة خالية. ويمنح هذا الاختيار الأجساد وحركتها مساحة أكبر لصناعة الصورة والمعنى، فيما تولى معاد بياري جانب المابينغ، مضيفاً بعداً بصرياً إلى الفضاء الركحي.

أما الإضاءة، التي صممها حمزة عارف، فتتحرك داخل أجواء قاتمة تتلاءم مع طبيعة المكان وحالته النفسية، مع توظيف مصادر ضوئية موجهة تواكب حركة الممثلين وتدعم التعبير الجسدي.
وتحضر الأزياء والإكسسوارات بدورها ضمن البناء الدرامي، من خلال عناصر مستمدة من الذاكرة البصرية والثقافة الشعبية المغربية، بما يساعد على رسم ملامح الشخصيتين وتحديد موقعهما داخل الصراع.

ويحتل الصوت والموسيقى موقعاً متقدماً في العرض، بإشراف ناه التجاوي، حيث تمت الاستفادة من أجواء البلوز الصحراوي والموسيقى المستوحاة من تجربة مجموعة تيناريوين، إلى جانب تصميمات صوتية تعتمد على الترددات العميقة والمؤثرات التجريدية.
وتساهم هذه المعالجة الصوتية في الانتقال بين أجواء المستشفى الواقعية والحالات الحلمية والقلقة التي يمر بها العرض، لتصبح الموسيقى والمؤثرات جزءاً من السرد، وليس مجرد خلفية للمشهد.
ويضم الفريق التقني والفني للعرض عدنان قوانين في التأليف والإخراج، سعد اللبازي وهاجر المسناوي في الجسد والتشخيص، غسان الباز في السينوغرافيا، حمزة عارف في الإضاءة، ومعاد بياري في المابينغ، فيما يتولى رضا شراها إدارة الممثلين، وناه التجاوي تقنيات الصوت، وخالد كطناوي المسؤولية الإدارية، وعزيز حديم الإعلام والتواصل.

ومن خلال تداخل الأداء والسينوغرافيا والإضاءة والصوت، يضع «أطرش في زفة» المتفرج داخل تجربة لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تدفعه إلى تفكيك ما تخفيه الشخصيات من ذاكرة وأسئلة وصراعات، وتحويل المشاهدة إلى مشاركة في إنتاج المعنى.

