يقين 24/ حليمة صومعي
لم يعد السؤال في المغرب اليوم مرتبطاً بمن تصدّر الانتخابات التشريعية، فقد حُسمت هذه النقطة بإعلان حزب الأصالة والمعاصرة تصدره نتائج انتخابات 23 شتنبر بـ97 مقعداً، وإنما أصبح السؤال الأبرز هو: متى سيُعلن عن رئيس الحكومة الجديد، ولماذا لم يتم التعيين إلى حدود اليوم؟
فبعد مرور عدة أيام على الاقتراع، ما تزال هوية الشخصية التي ستقود الحكومة المقبلة غير معلنة رسمياً، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، خصوصاً أن التجارب السابقة بعد دستور 2011 اتسمت، في الغالب، بسرعة الانتقال من إعلان النتائج إلى تعيين رئيس الحكومة. فقد عُين عبد الإله بنكيران سنة 2011 بعد أربعة أيام تقريباً، فيما جرى تكليفه مجدداً سنة 2016 بعد ثلاثة أيام، بينما عُين عزيز أخنوش سنة 2021 بعد يومين فقط من الانتخابات.
ومع ذلك، فإن المقارنة الزمنية لا تعني بالضرورة وجود تأخير غير دستوري. فالفصل 47 من الدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، لكنه لا يحدد أجلاً زمنياً بعينه لإتمام هذا التعيين.
هذا الفراغ الزمني هو الذي جعل بورصة الأسماء المتداولة ترتفع، خصوصاً في ظل صعوبة حسم شخصية واحدة لرئاسة حكومة ستدخل مرحلة سياسية استثنائية، وستحمل ملفات كبرى مرتبطة بالاقتصاد والاستثمار والتحضير لاستحقاقات دولية ورياضية كبرى.
ومن بين الأسماء التي جرى تداولها خلال الأيام الأخيرة، تظهر أسماء من داخل حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب شخصيات سياسية أخرى. غير أن التداول الإعلامي والسياسي حول هذه الأسماء لا يعني وجود قرار ملكي بشأن أي منها، كما أن بعض الأخبار التي تحدثت عن تعيين شخصيات بعينها سرعان ما جرى نفيها؛ ومن ذلك نفي عبد اللطيف وهبي، وزير العدل وعضو المكتب السياسي للحزب، ما راج بشأن تعيينه رئيساً للحكومة.
لكن المفاجأة التي جعلت مرحلة ما بعد الانتخابات أكثر تعقيداً جاءت من طنجة.
ففي يوم الاقتراع نفسه، فتحت النيابة العامة بحثاً قضائياً حول واقعة مرتبطة بأوراق انتخابية عُثر عليها في محيط مركز للتصويت بمدرسة القدس، وذلك بهدف تحديد حقيقة الوقائع وترتيب الآثار القانونية على ضوء نتائج البحث. ومنذ ذلك الحين، تطورت القضية بشكل متسارع، وتحدثت مصادر إعلامية عن اتساع دائرة الأبحاث وارتفاع عدد الموقوفين، كما تم تداول معطيات بشأن مذكرة بحث في حق عمدة طنجة والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة منير الليموري.
الليموري نفى، من جهته، الروايات التي تحدثت عن هروبه من المغرب، وقال إن سفره إلى إسبانيا مرتبط بعمل، وإنه سيعود للمثول أمام القضاء.
وهنا تحديداً بدأ سؤال سياسي جديد يفرض نفسه: هل يمكن أن تكون تداعيات ملف طنجة قد أصبحت أحد العوامل التي تؤخذ بعين الاعتبار قبل الإعلان عن رئيس الحكومة؟
السؤال لم يعد مجرد تداول على مواقع التواصل الاجتماعي، بل طرحه بشكل صريح جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، الذي تساءل عما إذا كانت “الهزات الارتدادية” لملف طنجة يمكن أن تؤثر على مسار تعيين رئيس الحكومة، باعتبار أن الحزب المتصدر للانتخابات هو المعني دستورياً بتقديم الشخصية التي سيُعيّنها الملك لرئاسة الحكومة.
لكن، في المقابل، لا توجد إلى حدود الآن معطيات رسمية تثبت وجود علاقة مباشرة بين التحقيق القضائي في طنجة وتأخر التعيين الملكي. ولذلك يبقى الربط بين الملفين في حدود التحليل والتساؤل السياسي، وليس حقيقة معلنة من مؤسسة رسمية.
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى أن الأصالة والمعاصرة لم يكتفِ بتصدر الانتخابات، بل حصل على 97 مقعداً، ما جعله أمام استحقاق دستوري وسياسي جديد يتمثل في تقديم شخصية قادرة على قيادة مفاوضات تشكيل الأغلبية الحكومية. غير أن 97 مقعداً لا تمنح الحزب أغلبية منفردة، وهو ما يعني أن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى تفاوض وبناء تحالفات داخل البرلمان.
وبالتالي، فإن التأخر الحالي يمكن قراءته من أكثر من زاوية: تدبير المرحلة الدستورية بعد إعلان النتائج، تحديد الشخصية التي ستقود الحزب والحكومة في المرحلة المقبلة، طبيعة الأغلبية التي ستتشكل، إلى جانب التطورات القضائية التي فرضت نفسها بقوة على المشهد السياسي بعد واقعة طنجة.
وإذا كانت التحقيقات القضائية ستحدد وحدها المسؤوليات القانونية في ملف مدرسة القدس، فإن السياسة ستظل تراقب تداعياتها، خصوصاً أن القضية تمس مدينة كبرى وحزباً تصدر الانتخابات، فيما ما تزال الأبحاث مستمرة ولم تُعلن نتائجها النهائية.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينتظر المغاربة الإجابة عنه لم يعد فقط: من سيكون رئيس الحكومة؟ بل أيضاً: هل نحن أمام مجرد تأخر في الإعلان عن اسم رئيس الحكومة، أم أن مرحلة ما بعد انتخابات 23 شتنبر أفرزت معطيات جديدة تستدعي انتظار اتضاح الصورة قبل الانتقال إلى الخطوة الدستورية المقبلة؟
وفي انتظار البلاغ الرسمي، تبقى كل الأسماء المتداولة وكل القراءات المرتبطة بملف طنجة في خانة الاحتمالات، بينما يظل القرار النهائي بشأن تعيين رئيس الحكومة من اختصاص الملك، وفق أحكام الفصل 47 من الدستور.

