عن الزميلة جريدة كنز نيوز
في حلقةٍ جديدة من سلسلة «حياة الماعز»، كشف عاملُ نظافةٍ بمدينة خريبكة، في تصريحٍ للزميلة جريدة «كنز نيوز» الإلكترونية، عن ثلاثة ملفاتٍ عالقة تؤرّق العاملين بالقطاع: حرمان عددٍ منهم من منحة عيد المولد النبوي البالغة 200 درهم بعدما رُبط صرفها بالاشتغال، وتأخّر الاستفادة من العطلة السنوية رغم اقتراب نهاية العام، وصعوبة الحصول على شهادة العمل لإنجاز الوثائق الإدارية. وهي معطياتٌ تطرح، في ضوء مدونة الشغل ودفتر تحملات التدبير المفوَّض، أسئلةً حول مدى احترام الحقوق المكتسبة للأجراء.
يروي المصدر، أن العمال كانوا يتسلّمون منحة عيد المولد النبوي بشكلٍ اعتيادي، «سواء اشتغلوا أم لا»، وفق ما أكّده له مندوب الأجراء، الذي أفاده بأن هذه المنحة منصوصٌ عليها في دفتر التحملات. غير أن الوضع تغيّر هذه السنة؛ إذ أبلغت الإدارةُ العمالَ بأن المنحة لا تُصرف إلا لمن اشتغل، ما أدّى إلى استثنائه منها رغم استفادته منها في السنوات السابقة.
ويؤكد المصدر أن العمال «كانوا يعوّلون» على هذا المبلغ، رغم قيمته المحدودة التي لا تتجاوز 200 درهم.
وبالعودة إلى دفتر تحملات التدبير المفوَّض (العقد رقم 01-GCTO-2021)، الذي تتوفّر الجريدة على نسخةٍ منه، يتبيّن أن المنحة منصوصٌ عليها فعلاً، وبالمبلغ نفسه؛ إذ يُلزم العقدُ الشركةَ بصرف منحٍ سنوية للأعياد الدينية لفائدة «مجموع المستخدمين غير الجماعيين» طيلة مدة العقد، حُدّدت في 200 درهم عن عيد الفطر و200 درهم عن عيد المولد النبوي.
غير أن البند ذاته يُضيف أن المنحتين تُصرفان لفائدة المستخدمين «المزاولين فعلياً خلال فترات الأعياد»، وهي عبارةٌ تحتمل أكثر من قراءة: فهل يُقصد بها الأجير الموجود في وضعية خدمةٍ فعلية خلال فترة العيد، أي غير المتوقّف عن العمل أو المغادر للمقاولة، أم الأجير الذي اشتغل يوم العيد بعينه..؟ وهو إشكالٌ يبدو أن تأويله تغيّر هذه السنة، بعدما ظلّت المنحة، حسب رواية العمال، تُصرف للجميع في السنوات الماضية.
ويزداد السؤال إلحاحاً بالنظر إلى أن عيد المولد النبوي يُعدّ عيداً رسمياً معطّلاً ومؤدى عنه بموجب المرسوم رقم 2.04.426 المحدِّد لأيام الأعياد المؤداة عنها الأجور، وقد صادف هذه السنة يوم الثلاثاء 25 غشت، مع استفادة أجراء القطاع الخاص من يومٍ واحد مؤدى عنه، ما يطرح سؤال ربط منحةٍ تعاقدية بالعمل في يومٍ يُعدّ قانوناً عطلةً مؤدى عنها.
كما يُلزم الدفتر الشركةَ، في مادتيه 28 و28.2، باستعادة عمال الشركة السابقة «مع الحفاظ على حقوقهم المكتسبة»، وبالعمل على تحسين ظروف اشتغالهم عبر منحٍ وتعويضاتٍ تكميلية، وهي التزاماتٌ يرى العمال أن تقليص الاستفادة من المنحة يسير في عكس اتجاهها.
ويكشف المصدر أن العطلة السنوية تُوزَّع بين العمال عبر قرعةٍ تُجرى خلال شهري فبراير ومارس، غير أنها، بحسب قوله، «لا تُفعَّل على أرض الواقع»، في غياب لائحةٍ محيّنة تتضمن الأسماء وتواريخ الخروج بشكلٍ مضبوط. ويضيف أن الدور لم يتجاوز إلى حدود اليوم الرقم 9، في حين ينتظر عمالٌ يحملون الرقمين 19 و20، متسائلاً: «متى سيخرج هؤلاء والسنة على وشك الانتهاء؟».
ويوضح المصدر أن الشركة تُخرج العمال في عطلهم «فرادى أو مثنى»، وأن الإدارة تُبرّر ذلك بـ«حملاتٍ» تفرض التناوب، مشيراً إلى أن مستودع حي القدس، أحد مستودعات اللوازم بالمدينة إلى جانب مستودعات الخوادرية والمسيرة والنهضة وغيرها، لم يُخرج في عطلته طيلة سنةٍ كاملة سوى عاملٍ واحد، وفق روايته.
ويصف المصدر طلب العطلة بأنه يمرّ عبر «إجراءات جدّ معقّدة»، مؤكداً أن العمال الذين يخشون الطرد يُحجمون عن المطالبة بها، وأن من يُصرّ عليها قد يجد نفسه مهدّداً بعقوبة، مستشهداً بحالة عاملٍ قال إنه طالب بإجازته فوجد نفسه أمام عقوبة ثمانية أيام. ويختصر المصدر الوضع بقوله: «هذه ليست عطلة».
وتُقرّ مدونة الشغل، في مادتها 231، بصيغةٍ آمرة حقّ كل أجيرٍ قضى ستة أشهر متصلة من العمل لدى المشغّل نفسه في عطلةٍ سنوية مؤدى عنها. وتنظّم المادة 245 كيفية الاستفادة منها، إذ يحدّد المشغّل تواريخ العطلة بعد استشارة مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين، فيما تُضبط تواريخ مغادرة الأجراء بعد استشارة المعنيين، مع مراعاة حالتهم العائلية وأقدميتهم داخل المقاولة.
وتذهب المادة 246 أبعد من ذلك، إذ توجب إطلاع كل مستحقٍّ للعطلة على جدول المغادرة قبل ثلاثين يوماً على الأقل من تاريخها، وتعليق هذا الجدول في أماكن الشغل التي يرتادها الأجراء، ومنها المستودعات، مع تضمينه في سجلٍّ يوضع باستمرار رهن إشارة الأجراء والأعوان المكلّفين بتفتيش الشغل. وهو ما يجعل غياب لائحةٍ مضبوطة بالأسماء والتواريخ، كما يرويه المصدر، موضع تساؤلٍ قانوني، علماً أن المادة 267 من المدونة ترتّب عقوباتٍ على خرق مقتضيات العطلة السنوية.
أما بخصوص العقوبة التي تحدّث عنها المصدر، فإن المادة 37 من المدونة تجعل التوقيف عن الشغل لمدةٍ لا تتعدى ثمانية أيام عقوبةً مرتبطة بارتكاب خطأ غير جسيم، وتُخضعها لمقتضيات المادة 62، مع إلزام المشغّل باحترام مبدأ التدرّج في العقوبة، فيما تفرض المادة 62 الاستماع إلى الأجير داخل أجلٍ لا يتعدى ثمانية أيام من تاريخ تبيّن الفعل المنسوب إليه. ويبقى السؤال المطروح: هل يُعدّ طلبُ الأجير لحقٍّ يكفله القانون خطأً يستوجب العقوبة؟
وعلى المستوى التعاقدي، تُلزم المادة 20 من دفتر التحملات الشركةَ باحترام التشريع الجاري به العمل، وفي مقدّمته قانون الشغل، طيلة مدة العقد.
ولا تقف معاناة المصدر عند المنحة والعطلة؛ إذ يروي أن صلاحية بطاقته الوطنية انتهت خلال شهر غشت، وأن تجديدها يقتضي الإدلاء بشهادة السكنى التي تتطلّب، بالنسبة للأجراء، شهادة عمل. وحين تقدّم بطلبها لدى الإدارة المحلية للشركة، أُبلغ بأن الأمر يستلزم «مسطرة» وقتاً، متسائلاً: «هل سأنتظر شهرين لإنجاز بطاقة تعريفي رغم أهميتها في الحياة اليومية؟». ويؤكد أن هذا الوضع دفعه، بعد نفاد صبره، إلى التصريح بصفة «مياوم» في وثائقه، رغم أنه يشتغل في قطاع النظافة.
وتطرح هذه الواقعة السؤال حول ما إذا كان العمال يتوفّرون على «بطاقة الشغل»، إذ تُلزم المادة 23 من مدونة الشغل المشغّلَ بتسليمها لكل أجير وتجديدها كلما تغيّرت صفته المهنية أو أجره، وتعاقب المادة 25 على عدم تسليمها بغراماتٍ تتكرّر بحسب عدد الأجراء المعنيين، في حدود 20 ألف درهم. ويحدّد المرسوم رقم 2.04.422 بيانات هذه البطاقة، ومنها اسم الأجير وتاريخ ازدياده وتاريخ التحاقه بالعمل ووظيفته وأجرته ورقم تسجيله في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهي بياناتٌ كفيلة بإثبات صفة الأجير المهنية.
وتندرج هذه القضايا ضمن صلاحيات الرقابة التي يخوّلها دفتر التحملات لمجموعة الجماعات الترابية بصفتها الجهة المفوِّضة، إذ تمتدّ المراقبة، بموجب المادة 41، إلى الجانب الاجتماعي، فيما تُلزم المادة 44 الشركةَ بتقديم تقريرٍ سنوي يتضمن حصيلة الأعمال الاجتماعية والمعطيات المتعلقة بالمستخدمين وأقدميتهم وأجورهم. كما تعني هذه الملفات، بالنظر إلى طبيعتها، مصالح تفتيش الشغل المخوَّل لها مراقبة احترام مقتضيات المدونة.
وكانت سلسلة «حياة الماعز» قد أسهمت، وفق شهادات العمال، في تحريك ملفاتٍ سابقة، من بينها الإفراج عن نتائج التحاليل الطبية بعد تأخّرٍ ناهز نصف عام، والتوصّل بالزيّ الصيفي ثم بالأحذية بعد تأخّرٍ دام أسابيع.
والتزاماً بأخلاقيات المهنة وبمقتضيات قانون الصحافة والنشر، تضع «كنز نيوز» هذه المعطيات، كما وردت على لسان مصدرها، رهن إشارة الشركة المفوَّض إليها تدبير القطاع، وتفتح أمامها المجال كاملاً للرد والتعقيب وتوضيح موقفها، وتلتزم بنشر ردّها فور التوصّل به.
ويبقى الملف مفتوحاً على تطوّراتٍ مرتقبة، في انتظار ما إذا كانت الشركة ستُراجع قرارها بشأن منحة المولد، وستُمكّن العمال المتبقّين من عطلهم السنوية قبل نهاية العام، وما إذا كانت الجهة المفوِّضة ومصالح تفتيش الشغل ستتدخّلان للتحقّق من مدى احترام الحقوق المكفولة قانوناً وتعاقدياً.

