بقلم: محسن خيير
في السياسة، كما في تدبير شؤون الدولة، ليست كل معلومة قابلة للإعلان قبل أوانها، وليست كل التسريبات عنوانا للشفافية. فهناك فرق جوهري بين الحق في معرفة من سيتولى المسؤولية الحكومية، وبين احترام المسار الدستوري الذي يحدد من يقترح الوزراء ومن يملك سلطة تعيينهم.
وما أثير مؤخرا بشأن تسريب أسماء شخصيات مرشحة للاستوزار ضمن الحكومة التي تقود فاطمة الزهراء المنصوري مشاورات تشكيلها، يعيد إلى الواجهة سؤالا يتجاوز الأشخاص والحقائب: هل أصبحت التشكيلة الحكومية تصنع في كواليس التسريبات قبل أن تستكمل مسارها الدستوري؟
الفصل 47 من الدستور المغربي واضح في توزيع الاختصاصات: رئيس الحكومة يقترح أعضاءها، والملك يعينهم. وبين الاقتراح والتعيين توجد مساحة يفترض أن تحكمها المسؤولية السياسية والتحفظ المؤسساتي، لا التنافس على تسريب الأسماء أو محاولة فرضها على الرأي العام باعتبارها اختيارات محسومة.
فالاقتراح ليس تعيينا، والاسم الذي تتداوله الأحزاب أو وسائل الإعلام لا يصبح وزيرا بمجرد انتشاره على مواقع التواصل الاجتماعي. كما أن التسريبات، مهما كانت مصادرها، لا يمكن أن تحل محل القرار الدستوري الرسمي.
صحيح أن الدستور لا يصنف لوائح الوزراء المقترحين تلقائيا ضمن أسرار الدولة، لكن هناك فرقا بين السرية المفروضة بالقانون والتحفظ الذي تقتضيه المسؤولية السياسية. فليس كل ما يجوز تداوله قانونا يكون نشره قبل أوانه مفيدا لحسن سير المؤسسات.
لهذا فإن تسريب الأسماء قبل استكمال المشاورات قد يضع رئيس الحكومة المكلف أمام ضغوط حزبية وإعلامية، ويحول الترشيحات إلى معركة مواقع ومصالح، كما قد يضع الشخصيات المعنية أمام أحكام مسبقة، رغم أن أمر تعيينها لم يحسم بعد.
والأهم أن احترام سلطة التعيين الملكي يقتضي عدم تقديم المقترحات على أنها قرارات نهائية. فالملك يمارس اختصاصه الدستوري في التعيين، ولا ينبغي للتسريبات أن تخلق انطباعا بأن القرار قد اتخذ سلفا.
لكن هذا التحفظ لا يعني مصادرة حق الصحافة في الإخبار، ولا حرمان المواطنين من متابعة مشاورات تشكيل الحكومة. فمن حق الإعلام أن يناقش الأسماء والتوازنات السياسية، شريطة التمييز الواضح بين المقترح والمؤكد، وبين التسريب والقرار الرسمي.
فقوة الدولة لا تقاس بكثرة الأسرار، كما أن الشفافية لا تقاس بعدد التسريبات، بل بوضوح الاختصاصات واحترام المؤسسات وتحمل المسؤوليات.
وفي المغرب، ينبغي أن تظل القاعدة بسيطة: الأحزاب تتفاوض، ورئيس الحكومة يقترح، والملك يعين، والبرلمان يمنح الثقة، والمواطن يحاسب سياسيا. ولكل مرحلة من هذه المراحل مكانتها الدستورية التي لا يجوز القفز عليها.
والحكومة ليست تشكيلة رياضية تعلن عبر التسريبات، ولا لائحة أسماء تختبر شعبيتها في مواقع التواصل، بل مؤسسة دستورية تتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام.
والخلاصة أن احترام الدولة يبدأ باحترام مساطرها، وأن الرصانة في تدبير المشاورات ليست ضعفا في التواصل، بل تعبير عن الوعي بثقل المسؤولية. فالحكومات لا تكتسب شرعيتها من التسريبات، وإنما من احترام الدستور والمؤسسات.

