يقين 24 لخضر حمزة
لا تقل للقاضي: “أنا مظلوم” فقط… بل قلها كاملة: لا أطلب شفقة، بل أطلب حقًا… وأواجه الاتهام بسؤال واحد لا يقبل المراوغة: أين الدليل على ما نُسب إليّ؟
في زمنٍ تختلط فيه الأصوات، وتتسارع فيه الأحكام قبل أن تستقيم الوقائع، أصبح من السهل أن يُدان الإنسان في أعين الناس قبل أن يُسمع صوته. كلمة “مظلوم” وحدها، رغم ما تحمله من ألم، لم تعد كافية لتُقيم العدل أو تُنصف الحقيقة. فالعدالة ليست عاطفة تُستدر، ولا صرخة تُطلق في الفراغ، بل هي ميزان دقيق لا يستقيم إلا بالحجج والبراهين.
ولمن يوزعون الاتهامات بلا دليل، استمعوا جيدًا: الكلمات الفارغة لا تصنع عدلاً، والألسن التي تطلق الظلال على الأبرياء ستُسجل في التاريخ كشواهد على الظلم، لا على الحقيقة. فكل اتهام بلا برهان هو خيانة للحق، وإساءة للضمير، وتجريد للإنسان من كرامته قبل أن يُحاكم.
إن جوهر العدالة يقوم على قاعدة راسخة: البينة على من ادعى. فلا يكفي أن تُوجَّه الاتهامات، ولا أن تُحاك الروايات، بل يجب أن تُسند كل دعوى بدليل واضح، ثابت، لا يقبل الشك. لأن فتح باب الاتهام دون قيد، هو أول الطريق نحو الفوضى، حيث يصبح كل فرد مهدداً في سمعته وكرامته، دون سند أو حق.
حين نقف أمام القضاء، لا ينبغي أن نكتفي بدور الضحية، بل يجب أن نرتقي إلى مستوى الدفاع الواعي، القائم على السؤال الجوهري: ما الدليل؟ من أين جاءت هذه التهمة؟ وعلى أي أساس بُني هذا الادعاء؟ هنا فقط يبدأ ميزان العدالة في الاستقامة، وهنا فقط تتحول المحاكمة من ساحة انطباعات إلى ميدان حقائق.
إن المجتمعات التي تحترم نفسها، هي تلك التي لا تُدين إلا بالدليل، ولا تُبرئ إلا بالحقيقة. أما التي تنساق وراء الاتهامات المجردة، فهي مجتمعات تُمهّد لانهيار الثقة، وتُغذي الظلم بدل أن تحاربه.
ختامًا، يبقى صوت الحقيقة أعلى من كل ادعاء، ويبقى الدليل هو النور الذي يكشف زيف الظلال. فلا تجعل من مظلوميتك مجرد صرخة عابرة، بل اجعلها موقفًا ثابتًا، مؤسسًا على الحجة والبرهان. فحين يُسأل: أين الدليل؟ تُصان الكرامات، وتُحمى الحقوق، ويستقيم ميزان العدالة. لأن العدل، في جوهره، ليس ما يُقال… بل ما يُثبت.

