يقين 24 – فاطمة الحارك
يتأسس سلوك الشخصيات التي تحتمي بالكثرة على آلية دفاعية نفسية تُعرف في علم النفس بـ”التعويض عن الشعور بالنقص”. يدرك هذا النوع من البشر، في أعماق وجدانهم، هشاشة طروحاتهم وفقر قيمهم الذاتية، مما يدفعهم غريزياً إلى البحث عن مظلة جماعية تدعم موقفهم الضعيف. إن الاحتماء بالجمع هنا ليس دليلاً على القوة، بل هو اعتراف ضمني بالعجز عن الوقوف بشكل مستقل في ميادين الفكر أو العطاء.
تعتمد هذه الاستراتيجية على استقطاب العقول المستسلمة والشخصيات التابعة التي يسهل تشكيلها وتوجيهها. يقوم القائمون على هذا السلوك بدور “الموجه” لقطيع صغير، فيوهمون التابعين بأنهم جزء من كيان ناصع ومحق، بينما الحقيقة أنهم مجرد أدوات لتعزيز ego (الأنا) لدى شخص يخشى العزلة الفكرية. من هنا، تنشأ حالة من الوهم الجماعي، حيث يعتقد هذا التكتل أن كثرة العدد تمنح رأيهم صبغة الحقيقة المطلقة، متناسين أن الحق يستمد قوته من جوهره ومنطقه، وليس من عدد المصفقين له.
يتولد هذا السلوك غالباً من مزيج مركب من الحسد والغيرة تجاه الأفراد المتميزين وأصحاب الكاريزما المستقلة. يرى الشخص الحقود في نجاح الفرد المستقل تهديداً مباشراً لكيانه الهش، ولأن المواجهة الفردية ستكشف ضآلته، فإنه يلجأ إلى جيشه المصطنع ليمارس نوعاً من الحصار المعنوي والضغط النفسي. يهدف هذا الحشد الفوضوي إلى زعزعة ثقة الناجحين، وإجبارهم على التشكيك في مسارهم، عبر إيحاء كاذب بأن الجميع يرفضك، إذن أنت على خطأ

