يقين 24 لخضر حمزة
في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام، تفاجأت إحدى العاملات بمؤسسة للنسيج بالحي الصناعي بقرار إرجاعها إلى منزلها بسبب تأخرها عن موعد العمل بثماني دقائق فقط، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود السلطة التأديبية للمشغل ومدى احترامها لمقتضيات مدونة الشغل المغربية.
لا أحد يجادل في أهمية الانضباط واحترام مواقيت العمل، فهما ركيزتان أساسيتان لنجاح أي مؤسسة. لكن هل يعقل أن تتحول ثماني دقائق إلى سبب لحرمان عاملة من يوم عملها ومورد رزقها؟ وهل الهدف من الإدارة هو تصحيح السلوك أم إصدار عقوبات قد تكون أقسى من الخطأ نفسه؟
مدونة الشغل المغربية جاءت واضحة في هذا الباب، حيث أقرت مبدأ التدرج في العقوبات بالنسبة للأخطاء غير الجسيمة، وجعلت الفصل أو العقوبات المشددة مرتبطة بحالات محددة وخطيرة، مع ضمان حق الأجير في الدفاع عن نفسه قبل اتخاذ أي قرار تأديبي.
إن العاملات في قطاع النسيج يواجهن يومياً ظروفاً صعبة، تبدأ بالاستيقاظ في ساعات مبكرة، وتمر عبر الاكتظاظ المروري ومشاكل النقل، وتنتهي بساعات طويلة من العمل داخل المعامل. ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع تأخير بسيط بعقلية العقاب بدل التفهم والحوار لا يخدم استقرار المؤسسة ولا يعزز الإنتاجية.
إن احترام القانون لا يقل أهمية عن احترام توقيت العمل، والعدالة داخل المقاولة هي أساس العلاقة السليمة بين المشغل والأجير. فالانضباط مطلوب، لكن الإنسانية مطلوبة أيضاً، والفرق كبير بين محاسبة العامل على خطأ متكرر وبين اتخاذ إجراءات قد تمس كرامته وحقه في العمل بسبب دقائق معدودة.
وفي المقابل، فإن المدير الناجح ليس من يجعل العقوبة أول وسيلة للتدبير، بل من يدرك أن العامل هو الثروة الحقيقية للمؤسسة، وهو الذي يقف خلف كل منتج يغادر المصنع نحو الأسواق. فالآلات مهما بلغت دقتها لا تشتغل وحدها، والإنتاج لا يتحقق إلا بسواعد العمال وجهودهم اليومية.
لقد منح القانون للمشغل سلطة تنظيم العمل وتأديب الأجراء، لكنه في الوقت نفسه وضع حدوداً واضحة تمنع التعسف وتحمي كرامة الإنسان العامل، لأن العدالة ليست في التشدد، وإنما في تطبيق القانون بروح المسؤولية والإنصاف.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً: إذا كانت ثماني دقائق تستحق الإرجاع إلى المنزل أو الحرمان من العمل، فمن يحاسب من يهدر ساعات من حقوق العمال أو يتجاوز الضمانات القانونية التي كفلها لهم القانون؟ ومن يعوض العاملة عن يوم ضاع بسبب قرار كان يمكن استبداله بتنبيه أو حوار أو إجراء تربوي أكثر حكمة؟
إن المؤسسات القوية لا تبنى بالخوف ولا بسياسة الترهيب، بل بالثقة والاحترام المتبادل، وبمدير يعرف أن الاستثمار الحقيقي ليس في الآلات ولا في الجدران، وإنما في الإنسان الذي يحرك عجلة الإنتاج. فالعامل ليس مجرد رقم في سجل الحضور، بل هو أساس النجاح وشريك في تحقيق الأرباح، ومن يحافظ على كرامته يحافظ على استقرار المؤسسة ومستقبلها.
فثماني دقائق قد تمر وتنتهي، لكن أثر الظلم يبقى في النفوس، أما العدل والإنصاف فيصنعان مؤسسات ناجحة وعمالاً أوفياء وإنتاجاً يليق بمقاولة تحترم القانون والإنسان

