يقين 24
بقلم: فؤاد غرسا – رئيس الهيئة المغربية لحقوق الإنسان والبيئة بجهة الدار البيضاء-سطات
تشهد الساحة القضائية المغربية نقاشاً محتدماً حول إصلاح منظومة العدالة، وهو النقاش الذي تذكي جمرته التصريحات الأخيرة بشأن “صراع المحامين وموظفي المحاكم”، ومحاولات تشخيص أزمة المحاماة عبر اختزالها في “عقبة الإجراءات”. وفي قلب هذا النقاش المتصاعد، تبرز واقعة التضييق على المساعدين الإداريين (كُتّاب المحامين) بالمحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، كشاهد حي على التناقض الصارخ بين الخطاب السياسي والواقع الميداني، وكأزمة بنيوية تُهدد الأمن القضائي وتهدر الزمن الإداري
في الوقت الذي تبشر فيه وزارة العدل بالانتقال الرقمي والنجاعة القضائية وتيسير المساطر، يأتي قرار منع المساعدين الإداريين بمكاتب المحامين من مباشرة أبسط الإجراءات الإدارية داخل محكمة عين السبع — مثل وضع الشكايات أو تتبع مآلها — ليفرز واقعاً تراجعياً. هذا المنع يتم بموجب “تعليمات” منسوبة للسيد وكيل الملك، تهدف في ظاهرها إلى تطهير محيط المحكمة ومحاربة ظاهرة “السمسرة”، لكنها في عمقها ومآلها تحولت إلى آلية للتضييق على مهنيين يحملون صفة نظامية
وإننا في الهيئة المغربية لحقوق الإنسان والبيئة، إذ نتابع هذا الوضع، نؤكد أن المفارقة تتجلى في ضرب مشروعية الوثائق الرسمية؛ فهؤلاء المساعدون يتوفرون على بطاقات مهنية صادرة عن هيئة المحامين بالدار البيضاء وموقعة من طرف السيد النقيب. ورفض التعامل مع حامل هذه البطاقة لا يشكل تضييقاً على الكاتب فحسب، بل هو مساس غير مباشر بالاعتبار القانوني لمؤسسة النقيب والهيئة التي ينتمي إليها المحامي
لقد جرى العرف القضائي، واستقرت الممارسة المهنية لسنوات، على أن “كُتّاب المحامين” هم صمام الأمان اللوجستي للمكاتب. إن إجبار المحامي على الحضور الشخصي لوضع شكاية أو الاستفسار عن مآلها يؤدي إلى استنزاف الزمن القضائي، وتجريد المحامي من رمزيته الفكرية، وخلق بؤر توتر يومية بين المحامين وموظفي كتابة الضبط، مما يذكي الصراع بدلاً من إخماده.
وفي هذا الصدد، يؤكد السيد فؤاد غرسا، بصفته رئيساً للهيئة المغربية لحقوق الإنسان والبيئة بجهة الدار البيضاء-سطات، قائلاً:
“إننا ننظر إلى هذا التضييق ليس فقط كأزمة إجرائية، بل كخطر يمس الحقوق الأساسية للمتقاضين في الحصول على خدمة قضائية سلسة. إن مأسسة العمل القضائي تستوجب احترام الأدوار التشاركية؛ فالمحامي ليس مجرد رقم في سجلات الإدارة، بل هو شريك في تحقيق العدالة، ومساعدوه هم امتداد مهني له. لذا، نطالب بضرورة إنهاء هذه التعليمات الشفهية التي تعطل مصالح المواطنين، والالتزام بمبدأ ‘القرار الإداري القابل للتوقع’، حمايةً للحقوق والحريات من كل تعسف إجرائي غير مبرر.”
إن المخرج الحقيقي من هذه الأزمة يمر عبر قناتين لا ثالث لهما: أولاً، التعجيل بالرقمنة الشاملة للشكايات والمساطر لتفادي الاحتكاك البشري؛ وثانياً، مأسسة مهنة المساعد الإداري ضمن القانون المهني الجديد للمحاماة، مع تفعيل دور البطاقة المهنية كوثيقة رسمية. وبدون ذلك، ستبقى محاكمنا حلبة صراع إجرائي تلتهم وقت العدالة وتُعيق مسار التحديث الذي يصبو إليه جلالة الملك نصره الله

