يقين 24
تجد جماعة سلا نفسها من جديد في مواجهة واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للساكنة، بعدما استمرت أزمة امتلاء المقابر في فرض نفسها على أجندة الشأن المحلي، وسط تساؤلات متزايدة حول مآل المشاريع المعلنة والحلول التي تم الترويج لها خلال السنوات الأخيرة لإنهاء معاناة المواطنين مع هذا المرفق الحيوي.
ففي الوقت الذي بلغت فيه مقابر تاريخية بالمدينة، وعلى رأسها “باب المعلقة” و”بن عاشر”، حدودها القصوى من حيث الاستيعاب، تحولت مقبرة “سيدي بلعباس” إلى المتنفس الوحيد تقريباً لاستقبال حالات الدفن القادمة من مختلف أحياء المدينة، ما خلق ضغطاً متزايداً ينذر بإعادة الأزمة إلى نقطة الصفر في أي لحظة.
وكانت جماعة سلا قد أعلنت في وقت سابق عن مشروع وُصف بالاستراتيجي لتجاوز هذا الإشكال، من خلال تخصيص غلاف مالي يناهز 18.23 مليون درهم لاقتناء وتهيئة مقبرة جديدة بمنطقة عامر على مساحة تقدر بحوالي 40 هكتاراً. غير أن المشروع، الذي قدم باعتباره الحل النهائي لأزمة المقابر، لم ير النور إلى حدود اليوم، بسبب استمرار التعقيدات المرتبطة بالعقار والمساطر الإدارية والتقنية.
هذا التأخر يثير أكثر من علامة استفهام، خاصة أن ملف المقابر لا يتعلق بمشروع تنموي عادي يمكن تأجيله، بل بمرفق أساسي يمس كرامة المواطنين وحقهم في دفن موتاهم في ظروف لائقة. فكلما تأخر إخراج المقبرة الجديدة، ازدادت الضغوط على المقابر الحالية، وارتفعت المخاوف من الوصول إلى مرحلة العجز الكامل عن توفير فضاءات إضافية للدفن.
وأمام هذا الوضع، لجأت الجماعة إلى حلول مؤقتة من خلال استغلال قطع أرضية مجاورة لمقبرة “سيدي بلعباس” لتوسيع طاقتها الاستيعابية، غير أن العديد من الفاعلين المحليين يعتبرون أن هذه الإجراءات لا تعدو أن تكون مجرد تدابير ظرفية تؤجل المشكل ولا تعالجه من جذوره.
كما أبرمت الجماعة اتفاقيات لتدبير وصيانة المقابر وتحسين ظروفها، تشمل إصلاح الممرات وإزالة الأعشاب ومعالجة الأضرار الناتجة عن التساقطات المطرية، وهي خطوات تظل مهمة على مستوى التدبير اليومي، لكنها لا تجيب عن السؤال الجوهري: أين وصل مشروع المقبرة الجديدة الذي رُصدت له الملايين منذ سنوات؟
ويرى متابعون للشأن المحلي أن استمرار تعثر المشروع يكشف ضعفاً في التخطيط الاستراتيجي والاستباقي لتدبير المرافق الأساسية، خصوصاً في مدينة تعرف نمواً سكانياً متواصلاً واتساعاً عمرانياً متسارعاً. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط بامتلاء المقابر الحالية، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الجماعة على تحويل الوعود والبرامج المعلنة إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.
وفي انتظار الحسم في ملف مقبرة عامر، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح داخل مدينة سلا: كيف تم صرف سنوات من الدراسة والبرمجة واعتماد أكثر من 18 مليون درهم، فيما لا تزال المقبرة الجديدة حبيسة الإجراءات، والمدينة تقترب أكثر فأكثر من أزمة دفن حقيقية؟

