بقلم: محمد الحدوشي – يقين 24
في زمن تتسارع فيه التحولات التكنولوجية والاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد الجامعة مجرد فضاء لتلقين المعارف التقليدية أو منح الشهادات الأكاديمية، بل أصبحت أحد أهم محركات التنمية وصناعة الكفاءات القادرة على مواكبة متطلبات المستقبل. ومن هذا المنطلق، تبرز التجربة الصينية كنموذج لافت في كيفية ربط التعليم العالي بالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
فخلال السنوات الأخيرة، أطلقت الصين ورشاً واسعاً لإعادة هيكلة منظومتها الجامعية، شمل مراجعة آلاف التخصصات والمسالك الدراسية، حيث تم إلغاء أو تعليق عدد كبير من البرامج التقليدية التي لم تعد تستجيب لحاجيات الاقتصاد وسوق الشغل، مقابل استحداث تخصصات جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والروبوتيك والصناعات الذكية.
هذا التحول لم يكن مجرد تعديل إداري أو إجراء ظرفي، بل جاء في إطار رؤية استراتيجية تعتبر أن الجامعة مطالبة بمواكبة التطورات المتسارعة، وأن أي تخصص لا يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية يفقد تدريجياً قيمته في سوق العمل.
وتطرح هذه التجربة أسئلة مشروعة حول واقع التعليم العالي بالمغرب، ومدى قدرة الجامعة المغربية على التكيف مع التحولات التي يعرفها العالم. فرغم الجهود المبذولة خلال السنوات الأخيرة لتطوير العرض الجامعي وتوسيع الولوج إلى التعليم العالي، ما تزال إشكالية الملاءمة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل مطروحة بقوة، في ظل استمرار معدلات بطالة مرتفعة وسط حاملي الشهادات العليا.
ويبدو أن الحاجة أصبحت ملحة لإطلاق مراجعة شاملة للخريطة الجامعية الوطنية، ترتكز على تقييم موضوعي للمسالك والتخصصات وفق مؤشرات الإدماج المهني، وحاجيات الاقتصاد الوطني، ومتطلبات التنمية الجهوية، مع تعزيز التخصصات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وتحليل البيانات والطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق واللوجستيك والصناعات الحديثة.
وفي المقابل، لا يعني هذا التوجه التخلي عن العلوم الإنسانية والاجتماعية، بل يفرض إعادة تأهيلها وتحيين مضامينها بما يجعلها أكثر ارتباطاً بالتحولات الرقمية والاجتماعية المعاصرة. فالتخصصات القانونية، على سبيل المثال، أصبحت مطالبة بالانفتاح على قضايا الذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات الشخصية والجرائم الإلكترونية، كما أن تخصصات الإعلام واللغات مطالبة بمواكبة الثورة الرقمية وصناعة المحتوى والتواصل الحديث.
إن إصلاح الجامعة المغربية لم يعد خياراً مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها التحولات العالمية المتسارعة. فالمغرب الذي يراهن على الرقمنة والاستثمار والصناعة والطاقات المتجددة لا يمكنه تحقيق أهدافه التنموية دون منظومة جامعية قادرة على إنتاج كفاءات مؤهلة ومواكبة لمتطلبات العصر.
ومن هنا، تبرز أهمية إحداث آليات دائمة لتقييم التخصصات الجامعية بشكل دوري، وربطها بشكل مباشر بحاجيات سوق العمل، مع تعزيز الشراكات بين الجامعة والمقاولة ومراكز البحث، حتى تتحول المؤسسة الجامعية من فضاء لإنتاج الشهادات إلى فضاء لصناعة الكفاءات والابتكار.
لقد بعثت الصين برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن الجامعة التي لا تتغير مع الزمن ستجد نفسها خارج دائرة التأثير. ويبقى السؤال المطروح اليوم: هل تلتقط منظومة التعليم العالي بالمغرب هذه الرسالة في الوقت المناسب، أم أن الفجوة بين التكوين ومتطلبات التنمية ستستمر لسنوات أخرى؟
إن الرهان الحقيقي لم يعد في عدد الخريجين، بل في نوعية الكفاءات التي تنتجها الجامعة، وقدرتها على المساهمة في بناء اقتصاد المعرفة ومواجهة تحديات المستقبل.

