يقين 24
عاد ملف النظام الأساسي الخاص بموظفي الجماعات الترابية إلى واجهة النقاش من جديد، بعدما أثارت التعديلات الأخيرة التي طالت مشروع القانون رقم 47.25 موجة من القلق داخل أوساط الشغيلة والنقابات، التي اعتبرت أن بعض المقتضيات الجديدة تمثل تراجعاً عن مكتسبات سبق التوافق بشأنها خلال جولات الحوار القطاعي.
فبعد سنوات من الانتظار والمطالب المتواصلة بإخراج نظام أساسي منصف يواكب التحولات التي يعرفها تدبير الشأن المحلي، وجد موظفو الجماعات الترابية أنفسهم أمام نسخة جديدة من المشروع تحمل تعديلات وصفتها الهيئات النقابية بـ”المقلقة”، خاصة بعد إحالة النص على الأمانة العامة للحكومة.
وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في حذف المادة 25 المتعلقة باللجان الإدارية والعودة إلى مقتضيات تعود إلى مرسوم سنة 1959، وهو ما اعتبرته النقابات تراجعاً عن منطق التحديث الإداري والحكامة التشاركية. كما أثار حذف التعويض المالي عن الساعات الإضافية وتعويضه براحة إدارية فقط جدلاً واسعاً، بالنظر إلى طبيعة المهام التي يضطلع بها عدد كبير من موظفي الجماعات الترابية خارج أوقات العمل الرسمية.
وترى النقابات أن الأمر لا يتعلق بمجرد تعديلات تقنية في الصياغة القانونية، بل يمس جوهر التوازنات التي تم التوصل إليها خلال سنوات من الحوار والتفاوض، خصوصاً في ما يرتبط بالتحفيزات المادية والحماية الإدارية والمسار المهني للموظفين.
ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنظر إلى أن النظام الأساسي الجديد لم يكن مشروعاً عادياً، بل ثمرة مسار تفاوضي طويل امتد لعقود، انطلق منذ سنة 2002 مروراً بمحطات 2007 و2019 وصولاً إلى المحضر التنفيذي الموقع في يونيو 2024، والذي اعتبرته الشغيلة أرضية مرجعية لإصلاح أوضاعها المهنية والاجتماعية.
كما تؤكد المعطيات المتوفرة أن المشروع عرف تطوراً كبيراً خلال مراحل الإعداد، حيث انتقل من صيغة أولية لا تتجاوز 16 مادة إلى مشروع متكامل يضم حوالي 35 مادة، تتناول ملفات التكوين المستمر، والتعويضات، والحماية القانونية، وتنظيم المباريات المهنية والترقيات، وهو ما جعل الموظفين يعتبرونه فرصة تاريخية لإنصاف فئة ظلت لسنوات تشتكي من هشاشة أوضاعها مقارنة بقطاعات أخرى.
ومع انتقال المشروع إلى المؤسسة التشريعية، تتجه الأنظار اليوم نحو البرلمان الذي سيكون أمام اختبار حقيقي لإعادة التوازن إلى النص وضمان احترام الالتزامات السابقة. وفي المقابل، تواصل النقابات الضغط عبر المراسلات والبيانات واللقاءات المؤسساتية، دفاعاً عن مطالب تعتبرها غير قابلة للتنازل، وعلى رأسها رفض التعاقد، وتسوية وضعية حاملي الشهادات، وإقرار نظام تعويضات منصف، وتعزيز الحماية القانونية والإدارية لموظفي الجماعات الترابية.
وبين حكومة تؤكد تمسكها بمسار الإصلاح، وشغيلة تتخوف من تراجع المكتسبات، يبدو أن ملف النظام الأساسي دخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: معركة الثقة. فهل ينجح البرلمان في تقريب وجهات النظر وإخراج نص توافقي يحقق الإنصاف والنجاعة الإدارية؟ أم أن القطاع مقبل على جولة جديدة من الاحتقان الخصاص والبطالة يفاقمان أزمة القطاع الصحي بإقليم صفرووالنقاش المفتوح؟

