يقين 24
أعادت تقارير ميدانية حول وضعية عدد من أسواق القرب بمختلف جهات المملكة ملف هذه المشاريع إلى واجهة الاهتمام الإداري، بعدما كشفت استمرار إغلاق مرافق أنجزت باعتمادات مالية مهمة، في وقت لا تزال فيه مظاهر التجارة العشوائية حاضرة بقوة في محيطها.
وحسب المعطيات المتداولة، فقد توصلت المصالح المركزية لوزارة الداخلية بتقارير صادرة عن عدد من العمالات والأقاليم، تتضمن معطيات حول أسواق انتهت بها الأشغال منذ سنوات، دون أن تدخل حيز الاستغلال بالشكل الذي كان منتظراً منها، وهو ما دفع إلى فتح نقاش حول أسباب تعثر هذه المشاريع ومدى نجاعة الاختيارات التي رافقت إنجازها.
ولا يتعلق الأمر فقط بمسألة إغلاق محلات تجارية، بل بجدوى مشاريع عمومية كان يفترض أن تساهم في تنظيم الباعة الجائلين، والحد من احتلال الملك العمومي، وتحسين ظروف ممارسة التجارة داخل المدن. غير أن استمرار انتشار الباعة في الشوارع والأرصفة، إلى جانب وجود أسواق مغلقة أو ضعيفة الإقبال، يطرح أسئلة حول مرحلة ما بعد انتهاء الأشغال.
وتتجه الأبحاث الإدارية، وفق المعطيات المتوفرة، إلى مراجعة مختلف مراحل إنجاز هذه المشاريع، بدءاً من الدراسات الأولية واختيار العقارات والمواقع، مروراً بإعداد الصفقات وإسنادها، وصولاً إلى تنفيذ الأشغال وتسليمها، مع الوقوف على الأسباب التي حالت دون استغلال عدد من الأسواق رغم اكتمال بنياتها وتجهيزاتها.
ويكتسي اختيار الموقع أهمية خاصة في هذا الملف، بعدما أظهرت حالات ميدانية أن بعض الأسواق أقيمت في مواقع بعيدة عن التجمعات السكانية أو عن المسارات التجارية التي اعتادها الباعة والزبائن. وهو ما جعل بعض التجار يفضلون العودة إلى الشارع بدل الانتقال إلى محلات لا تحقق لهم، من وجهة نظرهم، الحد الأدنى من الرواج التجاري.
كما يطرح استمرار إغلاق بعض الأسواق بعد سنوات من إنجازها تساؤلات حول مدى واقعية الدراسات التي سبقت إطلاق المشاريع، وما إذا كانت قد أخذت بعين الاعتبار طبيعة النشاط التجاري المحلي، والكثافة السكانية، وقدرة السوق على استقطاب الفئات المستهدفة.
وفي المقابل، تكشف حالات أخرى أن بعض الأسواق المفتوحة لم تنجح بدورها في إنهاء ظاهرة التجارة العشوائية، بعدما اختار عدد من المستفيدين الاستمرار في عرض السلع خارج المحلات، إما بحثاً عن حركة أكبر للزبائن أو بسبب ملاحظات مرتبطة بظروف الاستغلال والتجهيزات والخدمات داخل الأسواق.
وتضع هذه الوضعية السلطات المحلية والجماعات الترابية أمام إشكال مركب، فنجاح سوق القرب لا يرتبط ببناء المحلات فقط، وإنما يتطلب ضمان شروط الاستغلال، وتنظيم المستفيدين، ومواكبة الأنشطة التجارية، وربط المشروع بمحيطه العمراني والسكاني، فضلاً عن توفير المرافق الأساسية التي تجعل التاجر والزبون معاً أكثر ميلاً إلى استعماله.
وتشمل عملية التدقيق المرتقبة، بحسب المعطيات المتداولة، مراجعة دفاتر التحملات والمواصفات التقنية، ومحاضر التسليم، والآجال التعاقدية، وكذا التعديلات التي قد تكون أدخلت على الصفقات الأصلية والأشغال الإضافية، مع تقييم أثرها على الكلفة الإجمالية للمشاريع.
كما يفرض حجم الاعتمادات المرصودة لهذه المشاريع التدقيق في مسار صرف المال العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنشآت بقيت مغلقة أو لم تحقق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية التي بررت إنجازها.
وتتجاوز تداعيات هذا الوضع الجانب المالي، إذ إن بقاء أسواق القرب مغلقة في بعض المدن يتزامن مع استمرار احتلال الأرصفة والشوارع، وما يرافق ذلك من عرقلة لحركة السير، وتدهور شروط النظافة، وظهور أنشطة تجارية غير منظمة داخل الأحياء.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن وزارة الداخلية طلبت من السلطات الترابية إعداد تقارير مفصلة حول وضعية هذه الأسواق، تتضمن مستوى الإنجاز والكلفة وحالة الاستغلال والإكراهات المسجلة، إلى جانب تحديد المسؤوليات المرتبطة بحالات التعثر أو عدم الاستغلال.

