يقين 24
حسمت المحكمة الدستورية جانباً من الجدل المرتبط بتدبير المناصب داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بعدما قضت بعدم دستورية إدراج منصب “المحافظين القضائيين العامين” ضمن لائحة المناصب العليا التي يتم التعيين فيها بمرسوم يتداول بشأنه مجلس الحكومة.
وجاء قرار المحكمة ضمن نظرها في القانون التنظيمي رقم 026.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا، والذي أحاله رئيس الحكومة على المحكمة الدستورية بتاريخ 21 يوليوز 2026، قصد التأكد من مدى مطابقته لأحكام الدستور.
وبحسب القرار رقم 278/26 م.د، فإن إدراج منصب “المحافظين القضائيين العامين” ضمن البند (ج) من الملحق رقم 2 للقانون التنظيمي رقم 02.12، بما يجعل التعيين في هذا المنصب يتم بمرسوم في مجلس الحكومة، لا ينسجم مع المقتضيات الدستورية المنظمة لاستقلال السلطة القضائية.
واستندت المحكمة الدستورية في تعليلها إلى عدد من المقتضيات الدستورية، خصوصاً الفصول 107 و113 و116، التي تؤكد استقلال السلطة القضائية، وتكرس الاستقلال الإداري والمالي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
وشددت الهيئة الدستورية على أن استقلال القضاء ليس مبدأً قابلاً للتجزئة، بل يشكل أحد المرتكزات الأساسية للفصل بين السلط، بما يقتضي أن تكون المسؤوليات المرتبطة بالتدبير الإداري والمالي داخل هياكل المجلس خاضعة للسلطة القضائية نفسها.
واعتبرت المحكمة أن التعيين في منصب مسؤولية داخل المجلس الأعلى للسلطة القضائية ينبغي أن يصدر عن الجهة القضائية المختصة، بما يحصن استقلال المؤسسة من أي تأثير أو توجيه صادر عن السلطة التنفيذية، سواء كان مباشراً أو غير مباشر.
وفي هذا السياق، ربطت المحكمة وظيفة المحافظ القضائي العام، بصرف النظر عن طبيعة المهام المنوطة به، بتدبير شؤون ذات صلة بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، معتبرة أن إخضاع تعيينه للسلطة التنفيذية من شأنه أن يشكل تدخلاً في التسيير الداخلي لمؤسسة تتمتع باستقلال دستوري.
وبناءً على هذا التعليل، صرحت المحكمة الدستورية بأن إسناد اختصاص تعيين المحافظ القضائي العام بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية إلى السلطة التنفيذية مخالف للدستور.
وفي المقابل، لم تعتبر المحكمة باقي مقتضيات القانون التنظيمي رقم 026.26 مخالفة لأحكام الدستور، ما يعني إمكانية نشر النص بعد حذف منصب “المحافظين القضائيين العامين” من لائحة المناصب العليا التي يتم التداول بشأنها داخل مجلس الحكومة.
وبذلك، لم تسقط المحكمة القانون التنظيمي برمته، وإنما حصرت عدم الدستورية في المقتضى المتعلق بطريقة تعيين هذا المنصب، مع الإبقاء على باقي التعديلات الواردة في النص.
وشمل القرار أيضاً مقتضيات أخرى تضمنها القانون التنظيمي الجديد، من بينها إضافة “الوكالة الوطنية لحماية الطفولة” إلى لائحة المؤسسات العمومية الاستراتيجية.
وفي هذا الجانب، أكدت المحكمة الدستورية أن الدستور يمنح المشرع صلاحية تحديد المؤسسات والمقاولات التي تندرج ضمن هذه الفئة، ما دامت ممارسة هذه الصلاحية لا تقوم على خطأ بيّن في التقدير.
كما لم تر المحكمة في تغيير تسمية “المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لقضاة وموظفي العدل” إلى “المؤسسة المحمدية للأعمال الاجتماعية لموظفي العدل” ما يخالف الدستور، معتبرة أن الأمر يدخل ضمن الصلاحيات التشريعية المخولة للمشرع.
ويأتي قرار المحكمة الدستورية في سياق سلسلة من القرارات والمواقف التي أعادت إلى الواجهة طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية، وحدود تدخل كل مؤسسة في المجالات المرتبطة بتدبير المؤسسات الدستورية المستقلة.
وتبرز أهمية القرار الجديد في كونه لا يتعامل فقط مع تسمية منصب أو طريقة تعيين موظف سام، وإنما يربط المسألة بمبدأ أوسع يتعلق بالاستقلال الإداري والمالي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبضرورة حماية هذا الاستقلال من أي تدخل خارجي.
ويؤكد القرار، في جوهره، أن استقلال السلطة القضائية لا يقتصر على استقلال القاضي أثناء ممارسة مهامه القضائية، بل يمتد أيضاً إلى طريقة تدبير المؤسسة القضائية والمسؤوليات الإدارية والمالية المرتبطة بها.
وبينما أبقت المحكمة على باقي مقتضيات القانون التنظيمي رقم 026.26، فإن حذف منصب المحافظين القضائيين العامين من لائحة المناصب العليا يفرض تعديل النص قبل نشره، بما يضمن انسجامه مع المقتضيات الدستورية المتعلقة باستقلال السلطة القضائية.

