يقين 24/ حليمة صومعي
لم ينتظر عبد الإله بنكيران طويلاً بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية حتى يكشف عن ملامح المرحلة المقبلة بالنسبة لحزب العدالة والتنمية. فبعد ساعات قليلة من ظهور النتائج، اختار الأمين العام للحزب أن يحسم مبكراً موقع «البيجيدي»: المعارضة، وليس المشاركة في حكومة يقودها حزب الأصالة والمعاصرة.
إعلان المعارضة في حد ذاته ليس مفاجأة سياسية، فاختيار أي حزب لموقع المعارضة يظل قراراً مشروعاً وطبيعياً داخل الحياة السياسية. لكن اللافت في موقف بنكيران يتجاوز مجرد إعلان عدم المشاركة؛ إذ انتقل الخطاب سريعاً من تحديد موقع الحزب إلى الحديث عن مواجهة الحكومة المقبلة، وصولاً إلى طرح إسقاطها وإعادة الانتخابات كأفق سياسي محتمل.
المفارقة أن الحكومة التي يتحدث عنها بنكيران لم تولد بعد.
المشاورات لم تحسم، والتحالفات لم تستقر، والبرنامج الحكومي لم يُعرض، وحتى أسماء الوزراء الذين قد يتحملون مسؤولية تدبير المرحلة المقبلة لم تُعرف بعد. ومع ذلك، اختار بنكيران أن يرفع سقف المواجهة منذ اللحظة الأولى، واضعاً الحكومة المقبلة، حتى قبل تشكيلها، في مرمى المعارضة.
وتأتي هذه التصريحات بعد نتائج أعادت حزب العدالة والتنمية بقوة إلى مجلس النواب. فقد حصل الحزب على 54 مقعداً، مقابل 13 مقعداً فقط في انتخابات 2021، وهي قفزة انتخابية كبيرة أعادت «البيجيدي» إلى واجهة المشهد البرلماني، وإن لم تضعه في صدارة الترتيب.
في المقابل، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، يليه حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً وفق المعطيات المعلنة وترتيب النتائج النهائي، بينما جاء العدالة والتنمية في المرتبة الرابعة بـ54 مقعداً.
وبينما كان بنكيران قبل الانتخابات يراهن على عودة الحزب إلى موقع متقدم واستعادة جزء من حضوره السابق، جاءت النتائج لتمنح «البيجيدي» حضوراً برلمانياً أقوى بكثير من محطة 2021، لكنها لم تمنحه صدارة المشهد.
ومن هنا يبدو أن خطاب بنكيران بعد النتائج اتجه بسرعة من الاحتفاء بالعودة إلى رسم معركة سياسية جديدة.
فالرجل لا يتحدث فقط عن حزب سيجلس في المعارضة ويراقب أداء الحكومة، بل يلوّح بمواجهة سياسية طويلة، ويضع احتمال إسقاط الحكومة وإجراء انتخابات جديدة ضمن تصوراته للمرحلة المقبلة.
وهذا يعني أن العدالة والتنمية لا يبدو مستعداً لانتظار أداء الحكومة للحكم عليها، بل اختار منذ البداية تحديد سقف العلاقة معها: معارضة ومواجهة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام معركة سياسية قد تمتد إلى المطالبة بانتخابات جديدة إذا توفرت، في نظر الحزب، الشروط السياسية لذلك.
غير أن إسقاط أي حكومة لا يتعلق فقط برغبة حزب في المعارضة، بل يرتبط بتوازنات البرلمان، وبمواقف الأغلبية والمعارضة، وبالمسار الدستوري والسياسي الذي قد تفرضه تطورات المرحلة.
لذلك فإن حديث بنكيران عن إسقاط الحكومة وإعادة الانتخابات يبقى، في هذه اللحظة، موقفاً سياسياً معلناً وطموحاً للمرحلة المقبلة، وليس سيناريو محسوماً.
لكن الرسالة الأهم التي حملتها تصريحات بنكيران واضحة: العدالة والتنمية عاد إلى البرلمان بـ54 مقعداً، لكنه لا يريد أن تكون عودته مجرد حضور عددي داخل المؤسسة التشريعية. الحزب يريد أن يحوّل هذه العودة إلى موقع سياسي مؤثر، وأن يجعل من المعارضة منصة لإعادة بناء حضوره والاستعداد للمواجهة المقبلة.
وبذلك، يبدو أن الانتخابات التشريعية لم تكن نهاية المعركة بالنسبة لعبد الإله بنكيران، بل بداية فصل جديد منها.
فالحكومة المقبلة ستحتاج أولاً إلى أن تتشكل، وأن تبني أغلبيتها، وأن تقدم برنامجها وتبدأ عملها. أما «البيجيدي»، فقد اختار أن يبدأ معركته السياسية معها قبل أن تبدأ هي عملها.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة ليس فقط: من سيشكل الحكومة؟ بل أيضاً: إلى أي مدى ستتحول المعارضة التي أعلنها بنكيران مبكراً إلى مواجهة سياسية فعلية داخل البرلمان وخارجه؟

