مراسلة : القديري سليمان
لم يعد انتشار محتويات التفاهة على المنصات الرقمية مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى معضلة بنيوية تهدد المنظومة القيمية للمجتمع. ففي ظل تراجع الوعي الثقافي، انحرف جزء من الشباب عن جادة الأخلاق، واستفحلت مظاهر الرذيلة بكل تجلياتها.
لقد أفرز هذا الواقع “عمالقة من ورق”. مؤثرون صعدوا إلى الواجهة لا لشيء إلا لحصدهم الشهرة والمال عبر يوتيوب وتيك توك. هذا الصعود الصاروخي أعمى بصائر بعضهم، فتجرأوا على رموز المجتمع وحاملي رسالة التعليم النبيلة.
ولنا في واقعة “عبد الإله مول الحوت” الذي أهان أستاذه خير مثال على هذا التطاول. ومثلها خرجات “فتيحة البدوية” وزوجها، الذي لم يتورع عن التلفظ بعبارات سوقية على الملأ: “حلي الباب خليني نتفركع عليهم”، في مشهد يلخص حجم الانحدار الذي يغزو الفضاء الرقمي بلا رادع.
مفارقة صارخة: يُحاكم الصحفي ويُكرَّم التافه
في الوقت الذي يجد فيه الصحفي المهني نفسه أمام المحاكم، رغم ما يقدمه من عمل جاد مرجعيته المصداقية ونبل الكلمة، يعيش صانع التفاهة في بذخ ويُراكم الثروات. الصحفي يعاني في صمت، وتُفرض عليه أعباء قانونية ومادية لتسيير موقعه، بينما يُترك المجال فسيحاً أمام محتويات هابطة لا ضابط لها.
لقد ذاع صيت التافهين واغتنوا من تفاهتهم، في مقابل انحسار المحتويات الهادفة التي تنتجها النخبة المثقفة. الإقبال الكاسح على الرداءة من شرائح واسعة في المجتمع لا يدل إلا على أزمة وعي اجتماعي وتراجع فكري مقلق.
ماذا ننتظر من مجتمع يصفق للرذيلة ويُدير ظهره للمعرفة؟
لقد أصبحنا إزاء واقع مؤلم. واقع يوصف بأنه “زمن الخيانة” للقيم، حتى غدا المجتمع كياناً هشاً عاجزاً عن الدفاع عن نفسه أمام هجمة التفاهة. فهل تحولنا فعلاً إلى جسد مكلوم لا يقوى على رد الأذى؟
بصيص أمل: “زيرو تفاهة”
رغم قتامة المشهد، برزت بوادر تغيير. حركة “زيرو تفاهة” تمثل صوتاً إصلاحياً يحاول التصدي لهذا المد. وقد أثمرت جهودها عن محاكمة بعض هذه الوجوه، في إشارة إلى أن المعركة ضد الرداءة قد بدأت.
إن تجفيف الفضاء الرقمي من هذه الشوائب بات ضرورة ملحة. وهي مسؤولية جماعية تبدأ من وعي الأسرة، وتمر عبر يقظة المدرسة، ولا تنتهي عند سلطة القانون المطالبة بالضرب بيد من حديد على كل من يسيء للقيم العامة ويستبيح حرمة المجتمع.

