يقين 24
دعت المحامية والبرلمانية السابقة آمنة ماء العينين رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى التدخل من أجل إعادة ترتيب مسار القانون المنظم لمهنة المحاماة، عقب قرار المحكمة الدستورية الذي قضى بتعذر البت في الإحالة المتعلقة به بسبب اختلالات مسطرية وإجرائية حالت دون فحص دستورية مقتضياته.
وطالبت ماء العينين، في رسالة مفتوحة وجهتها إلى رئيس الحكومة، بالوفاء بالتعهدات التي سبق أن قدمها للمحامين خلال فترة احتقان مهني شهدت توقفاً عن ممارسة عدد من مهام الدفاع، معتبرة أن التطورات الأخيرة أعادت الملف إلى نقطة تستدعي تدخلاً سياسياً ومؤسساتياً لتصحيح المسار.
واعتبرت ماء العينين أن مسار إعداد ومناقشة قانون المحاماة اتسم، منذ بدايته، بما وصفته باضطراب في التدبير وغياب الوضوح في معالجة الخلافات التي نشبت بين وزارة العدل وممثلي المهنة.
وبحسب مضمون الرسالة، فإن تدخل رئيس الحكومة في مرحلة سابقة وفتح قنوات التواصل مع الهيئات المهنية ساهم في تخفيف حدة التوتر، بعدما قرر المحامون تعليق المقاطعة التي كانوا قد خاضوها، في خطوة اعتبرتها ماء العينين تعبيراً عن الثقة في التزامات مؤسسة رئاسة الحكومة.
غير أنها ترى أن التطورات اللاحقة، خصوصاً بعد عودة مشروع القانون إلى المؤسسة التشريعية، أثارت من جديد أسئلة بشأن مدى احترام التعهدات السابقة، في ظل استمرار الخلاف حول عدد من المقتضيات التي يعتبرها المحامون مرتبطة باستقلال المهنة وضمانات الدفاع.
وتأتي دعوة ماء العينين في أعقاب قرار المحكمة الدستورية الذي لم يتجه إلى الحسم في مضمون القانون، وإنما سجل وجود خلل في شروط وإجراءات الإحالة، ما حال دون مباشرة المحكمة اختصاصها في مراقبة دستورية النص المعروض عليها.
كما انتقدت ما اعتبرته تكراراً للأخطاء المسطرية في ملفات تشريعية ذات حساسية، معتبرة أن المؤسسات المعنية مطالبة باستخلاص الدروس من هذه الوقائع تفادياً لإطالة أمد النقاش وتعميق حالة عدم اليقين المحيطة بالقوانين ذات الصلة بمنظومة العدالة.
ولم تحصر ماء العينين تداعيات الخلاف في العلاقة بين الحكومة والمحامين، بل ربطت الأزمة بشكل مباشر بحقوق المتقاضين وبالسير الطبيعي للمرفق القضائي.
وأشارت إلى أن استمرار التوتر المهني وانعكاساته على ممارسة مهام الدفاع يمكن أن تكون له آثار مباشرة على المواطنين، خصوصاً المتقاضين الذين ترتبط مصالحهم بآجال وإجراءات قضائية لا تحتمل التأخير.
وترى أن أي نقاش حول قانون المحاماة ينبغي أن يستحضر قبل كل شيء ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع واستقلال المهنة، بدل اختزال الملف في صراع بين الحكومة والمهنيين أو في حسابات مرتبطة بمن يعتبر نفسه منتصراً أو متراجعاً.
وأكدت، في هذا السياق، أن استمرار الأزمة لا يخدم أياً من الأطراف، وأن المتضرر الأول من أي اضطراب طويل الأمد داخل منظومة العدالة يظل المواطن الباحث عن الإنصاف والحماية القانونية.
ودعت ماء العينين رئيس الحكومة إلى ما وصفته بضرورة القيام بمراجعة سياسية ومؤسساتية للمسار الذي اتخذه مشروع القانون، معتبرة أن التراجع عن بعض الاختيارات أو تصحيح الأخطاء لا ينبغي النظر إليه باعتباره ضعفاً، وإنما باعتباره ممارسة طبيعية عندما تكشف الوقائع وجود اختلالات تستدعي المعالجة.
وشددت على أن المرحلة الحالية توفر فرصة لإعادة بناء الثقة بين مؤسسات الدولة والهيئات المهنية، عبر احترام الالتزامات السابقة والاحتكام إلى الآليات الدستورية والقانونية المتاحة.
كما استحضرت تجربة حكومية سابقة في التعامل مع قانون التنظيم القضائي، معتبرة أن اللجوء إلى المحكمة الدستورية يظل إحدى الآليات المؤسساتية المتاحة عندما تثار شبهات جدية حول مدى مطابقة بعض المقتضيات للدستور.
ومع قرار المحكمة الدستورية الأخير، عاد قانون المحاماة إلى واجهة النقاش السياسي والقانوني، بعدما كان الخلاف حول مضمونه قد أثار خلال الأشهر الماضية جدلاً واسعاً بين الحكومة والمهنيين والفاعلين الحقوقيين.
وتضع دعوة ماء العينين رئيس الحكومة أمام خيار إعادة تحريك الآلية الدستورية، بما يسمح للمحكمة الدستورية، في حال استيفاء الشروط القانونية، بالنظر في مدى مطابقة المقتضيات موضوع الجدل لأحكام الدستور.
وفي انتظار ما ستقرره الحكومة والمؤسسة التشريعية بشأن الخطوات المقبلة، يبدو أن ملف قانون المحاماة لم يصل بعد إلى نهايته، وأن القرار الأخير للمحكمة الدستورية، بدل أن يغلق النقاش، أعاد فتحه من زاوية مسطرية ومؤسساتية جديدة.

