سهيل امخنتر / يقين24
لم تعد مشاهد الدخان المتصاعد من جبال جهة بني ملال خنيفرة خلال فصل الصيف مجرد حوادث متفرقة تمر دون أن تترك خلفها أسئلة مقلقة. فتزامن درجات الحرارة المرتفعة وجفاف الغطاء النباتي والظروف المناخية المساعدة على انتشار النيران يجعل الثروة الغابوية بالجهة أمام اختبار صعب، ويحول أي شرارة صغيرة إلى خطر محتمل على مساحات واسعة من الغابات والساكنة المجاورة لها.
وخلال الفترة الأخيرة، شهدت مناطق متفرقة من الجهة اندلاع حرائق استنفرت السلطات ومختلف فرق التدخل، في مشاهد أعادت إلى الواجهة حجم التحدي الذي تفرضه حماية الغابات في مجال جغرافي واسع ووعر، حيث تجعل التضاريس الجبلية الوصول إلى بعض البؤر ومحاصرة ألسنة اللهب مهمة شاقة.
ولا تقاس خسائر الحرائق بعدد الأشجار التي تلتهمها النيران فقط، فالغابة منظومة بيئية متكاملة، وأي حريق واسع قد يهدد الغطاء النباتي وموائل الحيوانات والطيور ويؤثر على التربة والتوازن البيئي، فضلا عن سحب الدخان التي يمكن أن تمتد إلى المناطق السكنية المجاورة وتؤثر على جودة الهواء.
وفي قلب هذه المواجهة، تبرز المجهودات الكبيرة التي تبذلها عناصر الوقاية المدنية، إلى جانب مصالح الوكالة الوطنية للمياه والغابات والسلطات المحلية والقوات العمومية وباقي المتدخلين، الذين يجدون أنفسهم أحيانا في مواجهة مباشرة مع النيران وسط الجبال والمسالك الوعرة ودرجات الحرارة المرتفعة.
وهي مجهودات تستحق التنويه، خصوصا أن السيطرة على حريق غابوي لا تتم دائما في ظروف سهلة، بل قد تتطلب ساعات طويلة من العمل والتنسيق، مع تعبئة الموارد البشرية والوسائل اللوجستيكية لمنع انتقال النيران نحو مساحات أخرى أو اقترابها من التجمعات السكنية.
لكن نجاح فرق التدخل في تطويق عدد من الحرائق لا ينبغي أن يجعل الوقاية مسؤولية أجهزة الدولة وحدها.
ففي هذه الفترة الحساسة من السنة، يمكن لسلوك بسيط وغير محسوب داخل المجال الغابوي أو بالقرب منه أن تكون له عواقب جسيمة. لذلك تصبح مسؤولية المواطنين والزوار أساسية، من خلال تجنب إشعال النيران في الأماكن غير المخصصة لذلك، وعدم التخلص من أعقاب السجائر أو المواد القابلة للاشتعال عشوائيا، والتبليغ السريع عند ملاحظة دخان أو بداية اندلاع حريق.
كما أن تحديد أسباب كل حريق يظل من اختصاص الجهات المختصة، ولا ينبغي الجزم بأن العنصر البشري يقف وراء حادث بعينه قبل انتهاء الأبحاث والمعاينات اللازمة، خصوصا أن اندلاع الحرائق وانتشارها قد يرتبط بعوامل متعددة.
جهة بني ملال خنيفرة تمتلك رصيدا غابويا وطبيعيا يمثل جزءا من ثروتها وهويتها، من جبال الأطلس المتوسط إلى المناطق الجبلية بأزيلال وبني ملال وخنيفرة وغيرها، وحماية هذه المساحات ليست قضية بيئية فقط، وإنما حماية لمورد طبيعي واقتصادي ولتوازن تحتاج إليه الأجيال المقبلة.
ومع استمرار فصل الصيف وارتفاع مخاطر اندلاع الحرائق، تبقى الرسالة واحدة: اليقظة ثم اليقظة. فإخماد النيران يحتاج إلى إمكانيات وتضحيات كبيرة، أما منع الشرارة الأولى فقد يحتاج أحيانا إلى قليل من المسؤولية. وبين الاثنين توجد غابات وثروة طبيعية وأرواح وممتلكات تستحق أن نحميها جميعا

