يقن 24- لخضر حمزة
في زمنٍ كان يُفترض فيه أن تكون الكلمة أداة وعي، وأن يكون النقاش العمومي مجالًا لتلاقح الأفكار واختلاف الرؤى، برزت ظاهرة دخيلة أربكت المشهد وأفرغت الحوار من مضمونه، ظاهرة بات يُشار إليها اصطلاحًا بـ«الدباب». وهي ليست اختلافًا في الرأي، ولا معارضة مشروعة، ولا حتى نقدًا حادًا، بل سلوك عدواني يقوم على التشويش، والتضليل، وتحويل النقاش من ساحة الأفكار إلى حلبة صراع شخصي.
«الدباب» لا يدخل النقاش بحثًا عن الحقيقة، لأنه لا يؤمن بها أصلًا. ولا يطرح الأسئلة من أجل الفهم، بل من أجل الإرباك. لا يناقش الفكرة، بل يستهدف صاحبها. ولا يُقيم الحجة بالحجة، بل يستعيض عنها بالقذف، والسخرية، والتشكيك في النوايا. خطابه دائمًا مشحون، لغته هجومية، ومقاصده ملتبسة، لأنه ببساطة يفتقر إلى ما يُقنع.
هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ، بل تغذّت على مناخ رقمي سريع، يُكافئ الانفعال أكثر مما يُكافئ التفكير، ويُروّج للصوت العالي بدل الرأي المتزن. فـ«الدباب» يراهن على ردّ الفعل، لا على العقل، وعلى الصدمة، لا على الفهم. وكلما ساد الصراخ، تراجع المنطق، وكلما ارتفعت حدة الاتهام، تلاشت الحقيقة.
الأخطر من وجود «الدباب» نفسه، هو تطبيعه داخل الفضاء العام، ومنحه قيمة لا يستحقها. فحين يُعامل التشويش كأنه رأي، والسبّ كأنه موقف، نكون قد ساهمنا، عن وعي أو عن غير وعي، في تكريس الرداءة، وتوسيع هامش العبث. فـ«الدباب» لا يقوى بذاته، بل بما يُمنح له من انتباه، وبما يُفتح له من منصات.
إن الردّ المستمر عليه لا يُضعفه، بل يُغذّيه. والدخول في سجاله لا يفضحه، بل يمنحه ما يبحث عنه: الظهور. لذلك، فإن التجاهل الواعي ليس انسحابًا، بل اختيار ذكي. والصمت في وجه الاستفزاز ليس ضعفًا، بل موقف ناضج يُفقد هذا السلوك وقوده الأساسي.
المجتمعات التي تسعى إلى التقدّم لا تُدار بالشتائم، ولا تُصلح شؤونها بحملات التشكيك، ولا تُبنى على كسر الثقة بين أفرادها. إنها تحتاج إلى نقد مسؤول، ومعارضة نزيهة، واختلاف راقٍ تحكمه القيم قبل الحسابات. أما تحويل النقاش إلى ساحة تصفية حسابات، فلن يُنتج سوى مزيد من الانقسام والتيه.
لقد آن الأوان للتمييز بوضوح بين من يمارس النقد من موقع الغيرة على الصالح العام، ومن يتخفّى خلف الضجيج ليُخفي فراغه. فليس كل صراخ شجاعة، وليس كل هجوم جرأة، وليس كل تشكيك وعيًا.
و في النهاية، لا يمكن للمشهد العام أن يستقيم ما دام التشويش يُقدَّم على أنه رأي، والضجيج يُسوَّق باعتباره موقفًا. فليس كل من رفع صوته قال حقيقة، وليس كل من هاجم امتلك مشروعية. «الدباب» ظاهرة عابرة، مهما حاولت أن تصنع لنفسها قيمة بالإساءة والإرباك، لأنها تفتقر إلى أبسط مقومات الاستمرار: المصداقية.
التاريخ لا يتوقف عند الصراخ، ولا يحفظ أسماء من عاشوا على الهدم، بل ينحاز دائمًا إلى من قالوا الحقيقة بهدوء، وإلى من مارسوا النقد بمسؤولية، وإلى من جعلوا الكلمة أداة إصلاح لا وسيلة تشهير. أما الذين اعتادوا التشويش، فمصيرهم العزلة، لأن المجتمعات لا تتقدّم بمن يُكثرون الضجيج، بل بمن يصنعون المعنى.

