يقين 24
بقلم محسن خيير
لم يعد حضور الفنانين داخل لوائح الأحزاب السياسية في المغرب مجرد حالة معزولة أو اختيار ظرفي، بل أصبح ظاهرة تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، وتفرض نفسها كعنوان لتحول أعمق في طبيعة العمل الحزبي. تحول يطرح بهدوء، ولكن بإلحاح، سؤالاً أساسياً: هل يتعلق الأمر بانفتاح صحي على المجتمع، أم أنه انعكاس لأزمة حقيقية في إنتاج النخب السياسية؟
في الظاهر، تبدو الفكرة مقبولة. فالفنان، باعتباره شخصية معروفة وقريبة من الجمهور، قد يشكل جسراً للتواصل مع فئات واسعة من المواطنين، وقد يضفي نوعاً من الحيوية على الحملات الانتخابية. غير أن هذا التبرير، رغم وجاهته الشكلية، يخفي خلفه منطقاً آخر أكثر تأثيراً، يقوم على استثمار الشهرة كرصيد انتخابي جاهز، بدل بناء كفاءات سياسية من داخل الأحزاب نفسها.
المشكلة هنا لا ترتبط بهوية المرشح بقدر ما ترتبط بوظيفة الحزب. فالأحزاب، في جوهرها، ليست مجرد آليات انتخابية، بل فضاءات للتأطير والتكوين وإنتاج النخب. وحين تتراجع هذه الوظيفة لصالح البحث عن أسماء قادرة على جلب الأصوات بسرعة، فإن ذلك يعكس خللاً في العمق، لا يمكن تجاوزه بخطاب الانفتاح وحده.
ولعل ما يزيد من تعقيد الصورة هو أن هذا التوجه يرسخ لدى جزء من الرأي العام انطباعاً مفاده أن السياسة لم تعد مجالاً للكفاءة والتجربة، بل أصبحت أقرب إلى فضاء تتحكم فيه معايير الشهرة والقدرة على الحضور الإعلامي. وهو انطباع، إن ترسخ، يهدد ما تبقى من الثقة في المؤسسات التمثيلية.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن بعض الفنانين قد يمتلكون حساً اجتماعياً ووعياً سياسياً يمكن أن يضيف قيمة حقيقية للعمل العام. لكن ذلك يظل مرتبطاً بالمسار الفردي لكل حالة، ولا يمكن أن يتحول إلى قاعدة عامة تؤطر اختيارات الأحزاب.
بين هذا وذاك، يبدو أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في دخول الفنانين إلى السياسة، بل في الطريقة التي يتم بها هذا الدخول، وفي المعايير التي تحكمه. فحين تغيب قواعد واضحة تقوم على الكفاءة والاستحقاق، يصبح الباب مفتوحاً أمام تأويلات متعددة، أقلها أنها تعبير عن أزمة ثقة داخل الأحزاب نفسها.
في النهاية، لا يتعلق النقاش برفض أو قبول فئة بعينها، بل بطرح سؤال أعمق: أي سياسة نريد؟ سياسة تُبنى على التراكم والتأطير وإنتاج الكفاءات، أم سياسة تبحث عن حلول سريعة في بريق الأسماء؟

