يقين 24 ـ لخضر حمزة
في الأصل، وُجد العمل الجمعوي ليكون صوتاً للساكنة وجسراً للتواصل بين المواطن والمؤسسات، يقوم على خدمة الصالح العام والدفاع عن القضايا الاجتماعية بروح تطوعية ومسؤولة. غير أن الواقع، في بعض الأحياء، أصبح يكشف عن ممارسات دخيلة أساءت إلى صورة المجتمع المدني، بعدما حول بعض الأشخاص هذا المجال إلى منصة لاستعراض النفوذ وفرض الهيبة الوهمية على حساب العمال البسطاء.
ففي الآونة الأخيرة، بدأت تتكرر سلوكات تثير الكثير من علامات الاستفهام، حيث يعمد بعض المحسوبين على العمل الجمعوي إلى مخاطبة العمال بلغة التهديد والوعيد، وكأنهم أصحاب القرار داخل الشركات أو الجهات المفوض لها تدبير المرافق والخدمات. والسبب في كثير من الأحيان لا يتجاوز رفض عامل بسيط الخضوع لرغبة شخصية أو الاستجابة لتدخل لا تحكمه أي صفة قانونية.
وباتت عبارات من قبيل “أنا من يعرف المسؤول”، أو “أنا من يتحكم في الشركة”، تتردد بشكل مستفز داخل بعض الأحياء، في مشهد يختزل حجم الانحراف الذي أصاب مفهوم العمل الجمعوي لدى البعض، ممن جعلوا من القرب من المسؤولين أو من بعض الجهات وسيلة للضغط النفسي على فئة لا تبحث سوى عن كرامة العيش.
الأكثر إثارة للاستغراب، أن بعض هذه الوجوه تتقن تغيير المواقف بحسب حجم المصالح والمكاسب. فعندما تكون الأبواب مفتوحة وتتحقق الامتيازات، يتحول المسؤول إلى شخص “كفء” وتُغدق عليه عبارات الإشادة والثناء، لكن ما إن تتوقف المصالح أو تتعثر بعض الرغبات الشخصية حتى ينقلب الخطاب إلى هجوم وانتقاد واتهامات بالتقصير والفشل.
هذا السلوك، بحسب متابعين للشأن المحلي، يعكس أزمة أخلاقية أكثر مما يعكس دفاعاً حقيقياً عن قضايا الساكنة، لأن العمل الجمعوي النزيه لا يقوم على الابتزاز أو تصفية الحسابات، بل على الترافع الجاد والمسؤول واحترام كرامة الجميع، خاصة الفئات الهشة التي تشتغل في ظروف صعبة، كعمال النظافة وجمع النفايات وغيرهم من العمال الذين يشكلون العمود الفقري للخدمات اليومية.
فالعمال البسطاء ليسوا طرفاً في الصراعات ولا وسيلة لإثبات النفوذ داخل الأحياء، بل هم مواطنون يؤدون واجبهم المهني في ظروف معقدة، ومن غير المقبول تحويلهم إلى هدف للتهديد أو الضغط فقط لإرضاء نزوات شخصية أو فرض سلطة وهمية.
وفي المقابل، أصبحت الساكنة أكثر وعياً وقدرة على التمييز بين الجمعيات التي تشتغل بصدق وتنقل هموم المواطنين بموضوعية، وبين من يوظفون صفة “فاعل جمعوي” لتحقيق مصالح ضيقة أو صناعة نفوذ مؤقت قائم على التخويف والضجيج.
إن خدمة المواطنين لا تكون بالصراخ ولا باستعراض العلاقات، بل بالعمل الميداني النظيف، وبالقدرة على تقديم حلول حقيقية والدفاع عن الحقوق بأسلوب حضاري يحترم القانون والمؤسسات. أما منطق “أنا الآمر والناهي”، فقد تجاوزه الزمن، وأصبح الشارع نفسه يرفض كل أشكال الابتزاز المقنع باسم العمل الجمعوي.
ويبقى الأمل معقوداً على إعادة الاعتبار للعمل المدني الجاد، القائم على الأخلاق والمسؤولية وروح التطوع، بعيداً عن الحسابات الشخصية التي أفسدت صورة عدد من المبادرات الجمعوية التي كانت، ولا تزال، متنفساً حقيقياً للساكنة وهمومها اليومية.

