بقلم: محمد الحدوشي
في كل محطة انتخابية، يتكرر مشهد يكاد يتحول إلى طقس سياسي مألوف. أسماء ظلت بعيدة عن الساحة لسنوات، لا حضور لها في النقاش العمومي ولا أثر لها في هموم المواطنين اليومية، تعود فجأة إلى الواجهة، وكأنها تلقت نداءً وطنياً عاجلاً يدعوها إلى إنقاذ البلاد وخدمة المواطنين.
الغريب أن هذا الشعور الوطني الجارف لا يظهر إلا مع اقتراب موعد توزيع التزكيات الحزبية.
فجأة يصبح الجميع حريصاً على مصلحة المواطن، ويتحول الحديث عن البطالة والصحة والتعليم والسكن إلى العنوان الأبرز في اللقاءات والتجمعات، ويكتشف كثيرون أنهم يحملون مشاريع كبرى لإصلاح الأوضاع، وأنهم كانوا ينتظرون فقط اللحظة المناسبة للدخول إلى المشهد.
لكن تلك اللحظة، في نظر البعض، لا تبدأ بخدمة الناس، بل بالحصول على التزكية.
تحولت التزكية عند عدد من السياسيين إلى أكثر من مجرد وثيقة للترشح، بل أصبحت بمثابة شهادة ميلاد سياسية جديدة. قبلها يكون الشخص مواطناً عادياً، وبعدها يصبح خبيراً في الاقتصاد، ومختصاً في التنمية، ومدافعاً عن الشباب، وحاملاً لحلول جميع الأزمات التي تعيشها البلاد.
وتبدأ معها رحلة أخرى لا تقل إثارة؛ لقاءات، واتصالات، وتحالفات، وولائم، وتحركات لا تتوقف، حتى يخيل للمتابع أن الأزمة الحقيقية التي يعيشها المغرب ليست البطالة أو غلاء المعيشة، وإنما أزمة التزكيات.
المفارقة أن كثيراً ممن يرفعون شعار خدمة المواطن لا يظهرون إلا في المواسم الانتخابية، بينما يغيب حضورهم خلال السنوات التي تسبقها. فلا مبادرات اجتماعية، ولا تواصل مع الساكنة، ولا دفاع عن القضايا المحلية، وكأن خدمة الناس مرتبطة فقط بالمقعد الانتخابي.
ولو كانت كل المهن تشتغل بهذا المنطق، لانتظر الطبيب ترخيصاً قبل علاج المرضى، ولتوقف الأستاذ عن التدريس إلى حين حصوله على تزكية، ولأجل رجل الإطفاء إخماد الحرائق إلى ما بعد صدور قرار حزبي.
لكن السياسة، عند البعض، لها منطق مختلف.
منطق يجعل الطريق إلى المواطن يمر أولاً عبر مقر الحزب، ويجعل التنافس الحقيقي لا يكون حول البرامج أو الكفاءات، بل حول من يحظى بالتوقيع الحاسم.
وما إن تنتهي الانتخابات حتى يعود كل شيء إلى سابق عهده. تخفت الوعود، وتختفي الزيارات، وتتراجع حرارة الخطابات، ويعود المواطن إلى موقعه المعتاد… ينتظر دورة انتخابية جديدة، ليستمع من جديد إلى الوعود نفسها، والابتسامات نفسها، وحكاية “خدمة الوطن” التي لا تبدأ إلا بعد الحصول على التزكية.
ويبقى السؤال مطروحاً:
هل التزكية وسيلة لخدمة المواطن؟
أم أن المواطن أصبح مجرد وسيلة للوصول إلى التزكية؟

