رغم ما تزخر به جهة بني ملال-خنيفرة من مؤهلات طبيعية وسياحية تجعلها من بين أكثر الجهات المغربية قدرة على استقطاب الاستثمارات السياحية، فإن عدداً من المشاريع الكبرى التي تم الإعلان عنها ضمن خارطة طريق السياحة 2023-2026 ما تزال تراوح مكانها، دون أن تنتقل إلى مرحلة الإنجاز الفعلي، الأمر الذي يثير تساؤلات متزايدة حول أسباب هذا التعثر وانعكاساته على مستقبل التنمية بالجهة.
ويتعلق الأمر بمشاريع استراتيجية كانت تُقدم باعتبارها رافعة حقيقية للإقلاع السياحي، من بينها مشروع تلفريك بني ملال، وتلفريك شلالات أوزود، ودينوبارك أزيلال، والمحطة السياحية الخضراء بخنيفرة، وهي مشاريع كان من المنتظر أن تمنح الجهة عرضاً سياحياً جديداً قادراً على استقطاب الزوار وخلق فرص الشغل وتحريك عجلة الاستثمار المحلي.
غير أن مرور أشهر طويلة على الإعلان عن هذه المشاريع دون تسجيل تقدم ملموس على أرض الواقع جعل العديد من المتتبعين يتساءلون عن الأسباب الحقيقية وراء هذا التأخر، خاصة وأن الجهة تعاني أصلاً من ضعف البنيات السياحية مقارنة بما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية وبيئية استثنائية.
ويزداد الجدل حدة في ظل التصريحات التي سبق أن أدلى بها رئيس مجلس جهة بني ملال–خنيفرة، عادل بركات، حيث قال إن وزيرة السياحة رفضت توقيع الاتفاقية المبرمة بين الوزارة والجهة المعنية، رغم إعلانها السابق عن رغبتها في إبداء الاستعداد للتعاون مع الجهة، معتبراً أن القطاع الوصي لا يتفاعل بالشكل المطلوب مع انتظارات الجهة وطموحاتها التنموية.
في المقابل، ردّت وزيرة السياحة بكلمة «بااااز»، مؤكدة من جهتها وجود اتفاقيات شراكة موقعة في إطار خارطة طريق السياحة، إضافة إلى تخصيص اعتمادات مالية مهمة لدعم المشاريع السياحية بالجهة، وهو ما خلق تبايناً في الروايات بشأن المسؤولية عن تأخر التنزيل.
هذا التباين بين الخطاب الجهوي والخطاب الحكومي دفع الرأي العام المحلي إلى طرح أسئلة مشروعة حول الجهة التي تتحمل مسؤولية التأخير، وحول ما إذا كانت هذه المشاريع تواجه بالفعل عراقيل تقنية وإدارية وتمويلية، أم أن الأمر يرتبط أيضاً بصعوبات في التنسيق بين مختلف المتدخلين المؤسساتيين.
ولا يقف الأمر عند حدود المشاريع السياحية المعلنة، بل يمتد كذلك إلى ملف مطار بني ملال، الذي كان يُعوَّل عليه ليكون بوابة جوية لتنشيط الحركة السياحية والاقتصادية بالجهة. فبعد أكثر من سنتين على إعادة تشغيله، ما يزال المطار يشتغل بوتيرة محدودة، عبر عدد قليل من الخطوط الجوية، دون تسجيل توسع يوازي الطموحات التي رافقت افتتاحه.
ويعتبر عدد من الفاعلين الاقتصاديين أن محدودية الربط الجوي تشكل إحدى أبرز العقبات أمام جذب المستثمرين والسياح، خاصة وأن نجاح أي وجهة سياحية حديثة يظل رهيناً بسهولة الولوج إليها وربطها بمختلف الأسواق الوطنية والدولية.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه المؤسسات الرسمية عن برامج ومخططات واستراتيجيات واعدة، يلاحظ المواطن البسيط أن العديد من الأوراش المعلن عنها لم تترجم بعد إلى مشاريع قائمة، وهو ما يغذي شعوراً متنامياً بوجود فجوة بين الوعود والإنجازات.
ويرى متتبعون للشأن الجهوي أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر على ثقة المستثمرين وعلى صورة الجهة كقطب سياحي صاعد، خصوصاً في ظل المنافسة القوية التي تشهدها العديد من الجهات المغربية الأخرى التي استطاعت تحويل مشاريعها المبرمجة إلى واقع ملموس خلال فترات زمنية وجيزة.
كما يثير بعض الفاعلين المحليين تساؤلات حول مدى تأثير التجاذبات السياسية والمؤسساتية على وتيرة تنزيل عدد من المشاريع الكبرى، خاصة في ظل ظهور تباينات متكررة في المواقف والتصريحات بين بعض المسؤولين. ورغم غياب معطيات رسمية تؤكد وجود تأثير مباشر لهذه الخلافات على المشاريع، فإن استمرار حالة البطء والتعثر يفتح المجال أمام مختلف التأويلات والتساؤلات المشروعة.
اليوم، لم تعد ساكنة جهة بني ملال-خنيفرة تنتظر المزيد من الإعلانات أو الاتفاقيات بقدر ما تنتظر رؤية الجرافات وهي تشتغل فوق أرض الواقع، وترغب في رؤية المشاريع السياحية الموعودة وقد تحولت إلى منشآت حقيقية تخلق الثروة وفرص الشغل وتدعم مكانة الجهة ضمن الخريطة السياحية الوطنية.
فالتنمية لا تقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة ولا بحجم الاعتمادات المعلنة، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، وبقدرة المسؤولين على تحويل الوعود إلى إنجازات ملموسة. وبين الآمال الكبيرة والإنجازات المنتظرة، يبقى السؤال مطروحاً: متى ترى المشاريع السياحية الكبرى بجهة بني ملال-خنيفرة النور؟ و متى سيشهد مطار بني ملال الإقلاع الحقيقي ؟

