يقين 24
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، يعود تقييم حصيلة البرلمانيين إلى الواجهة، بعيدا عن ضجيج الحملات والشعارات. وفي إقليم بني ملال، تبرز النائبة البرلمانية الاستقلالية مديحة خيير، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال وابنة مدينة قصبة تادلة، كواحد من الأسماء التي اختارت منذ دخولها مجلس النواب سنة 2021 أن تجعل قضايا المنطقة حاضرة باستمرار في عملها البرلماني.
مسار خيير خلال هذه الولاية لم يقتصر على الحضور داخل المؤسسة التشريعية، بل ارتبط بترافع مستمر حول ملفات ظلت تشغل بال ساكنة الإقليم، ومحاولة نقل انتظاراتها إلى القطاعات الحكومية المعنية. ولعل مشروع الربط السككي بين الدار البيضاء وبني ملال يقدم اليوم واحدا من أبرز الأمثلة على هذا الترافع.
فحين طرح مشروع السكة الحديدية، وأثار المسار المدروس مسألة استثناء قصبة تادلة وأبي الجعد، لم تتعامل خيير مع الأمر كمعطى تقني محسوم، بل حملت الملف إلى قبة البرلمان، وراسلت وزير النقل واللوجستيك مطالبة بأخذ المدينتين بعين الاعتبار عند تحديد المسار.
بالنسبة إلى ابنة قصبة تادلة، كان الأمر يتعلق بالدفاع عن حق مدينة تعرف جيدا مؤهلاتها وحاجتها إلى مشروع بهذا الحجم. فالمدينة تحتضن ثكنتين عسكريتين ومركزا للتدريب العسكري وعددا من الإدارات والمرافق، كما تتموقع في نقطة جغرافية مهمة تربط عددا من المحاور، وهو ما يجعل مرور السكة الحديدية منها ذا جدوى تتجاوز حدود المدينة نفسها.
بعدها خرج وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح، و قدم التوضيح و التأكيد في الفيديو المرفق بهذا المقال، معطى مهما لفهم ما آل إليه هذا الترافع.
فالوزير يؤكد أن مشروع الربط السككي بين الدار البيضاء وبني ملال تم تأكيده عبر خريبكة ووادي زم وأبي الجعد وقصبة تادلة، مع فرع سككي في اتجاه الفقيه بن صالح. كما كشف أن التصور يستهدف توفير قطار كل ساعة، على أن تستغرق الرحلة بين الدار البيضاء وبني ملال حوالي ساعتين و50 دقيقة.
وهنا تحديدا تبرز أهمية ما قامت به مديحة خيير.
فحين كان التخوف قائما من مرور المشروع بعيدا عن قصبة تادلة وأبي الجعد، كانت من الأصوات التي طالبت بإدماجهما ودافعت عن ذلك داخل البرلمان. واليوم يأتي وزير النقل نفسه ليضع المدينتين ضمن المسار الذي تتحدث عنه الحكومة.
لا يتعلق الأمر بالقول إن سؤالا برلمانيا واحدا يصنع بمفرده قرارا تقنيا واستراتيجيا بهذا الحجم، فمشاريع السكك الحديدية تخضع لدراسات ومساطر متعددة، لكن من الإنصاف أيضا تسجيل أن مديحة خيير تحركت في الوقت الذي كان فيه موقع قصبة تادلة داخل المشروع محل تساؤل، وأن المسار الذي أعلن عنه الوزير جاء منسجما مع المطلب الذي دافعت عنه.
وهذا ربما هو الفارق بين الحضور السياسي والترافع السياسي. الأول قد تصنعه المناسبات، أما الثاني فيقاس بالملفات التي يحملها المنتخب إلى المؤسسات، وبقدرته على جعل مطالب منطقته جزءا من النقاش الحكومي.
ومشروع القطار بالنسبة إلى قصبة تادلة ليس تفصيلا صغيرا. وصول السكة الحديدية يمكن أن يغير الكثير في مدينة ظلت، رغم موقعها ومؤهلاتها، في حاجة إلى أوراش كبرى تعيد إليها جزءا من جاذبيتها. محطة للقطار تعني تسهيل تنقل السكان والطلبة والموظفين والعسكريين، لكنها تعني أيضا فرصا أكبر للاستثمار والخدمات وتحريك الاقتصاد المحلي وربط المدينة بصورة أفضل ببني ملال وخريبكة والدار البيضاء.
لذلك يمكن اعتبار ملف السكة الحديدية واحدا من الملفات التي تختصر جانبا مهما من تجربة مديحة خيير داخل البرلمان: ابنة المنطقة تعرف مشاكلها، تحمل مطلبها إلى الرباط، تدافع عنه أمام الحكومة، ثم تواصل تتبع مساره.
ومع اقتراب الانتخابات، سيكون من الطبيعي أن يقدم كل فاعل سياسي حصيلته للناخبين. لكن بالنسبة لمديحة خيير، قد لا تحتاج بعض الملفات إلى كثير من الكلام، لأن الوثائق والمداخلات والتسجيلات موجودة، وفيديو وزير النقل عبد الصمد قيوح المرفق بهذا المقال يشكل بدوره شاهدا سياسيا على محطة مهمة من هذا المسار.
لقد دافعت خيير عن ألا تبقى قصبة تادلة خارج سكة التنمية، واليوم أصبح اسم المدينة حاضرا في مشروع الربط السككي الذي تتحدث عنه الحكومة.
ويبقى التحدي الأكبر أن يستمر هذا النفس الترافعي حتى تتحول الدراسات إلى أوراش، والتصريحات إلى محطات، والمسارات المرسومة على الورق إلى قطارات تصل فعليا إلى قصبة تادلة.
فبالنسبة إلى مدينة انتظرت القطار طويلا، قد يكون أجمل ما في هذه القصة أن ابنة قصبة تادلة لم تنتظر وصوله، بل ذهبت إلى البرلمان لتطالب بأن يمر من مدينتها.

