يقين 24
“المزوق من برا آش خبارك من لداخل”.. مثل شعبي مغربي قديم، لكنه يبدو في كل صيف وكأنه يستعيد شبابه مع بعض المشاهد التي ترافق عودة أفراد من الجالية المغربية المقيمة بالخارج. سيارات فارهة، ملابس من علامات عالمية، مطاعم باهظة، سهرات وطاولات محجوزة، صور وفيديوهات توحي بأن صاحبها يعيش طوال السنة حياة لا تعرف إلا الرفاهية والمال والسفر.
لكن خلف الصورة اللامعة قد توجد أحيانا حكاية مختلفة تماما.
لا يتعلق الأمر هنا بمغاربة العالم ككل، ولا يمكن اختزال ملايين المهاجرين في سلوك فئة منهم. فالجالية المغربية تضم أطرا وأطباء ومهندسين ورجال أعمال وعمالا وطلبة وأصحاب مهن مختلفة، كما تضم أناسا بنوا مسارات نجاح حقيقية بعد سنوات من العمل والتضحية. والمهن البسيطة أو الشاقة ليست عيبا ولا مبررا للسخرية من أصحابها، بل هي أعمال محترمة يكسب منها الإنسان رزقه بكرامة.
المشكلة تبدأ عندما يشعر البعض بأن العمل والعيش بكرامة في الخارج لا يكفيان، وأن عليه بمجرد وصوله إلى المغرب أن يؤدي دور “المهاجر الناجح” أمام العائلة والأصدقاء وأبناء الحي، ولو كانت كلفة ذلك تفوق إمكانياته الحقيقية.
وهكذا تتحول العطلة الصيفية لدى البعض من لحظة للراحة وصلة الرحم إلى موسم لصناعة صورة اجتماعية كاملة.
سيارة رياضية أو فارهة قد تكلف مئات اليوروهات يوميا، فندق فاخر، مطاعم مرتفعة الأسعار، سهرات، ملابس، هدايا، “بوربوار” مبالغ فيه، وصور منتقاة بعناية لتنتهي كلها على إنستغرام وفيسبوك وتيك توك.
المهم ليس دائما أن تعيش الرفاهية، بل أن يعتقد الآخرون أنك تعيشها.
وهنا تكمن المفارقة.
قد يقضي الإنسان أحد عشر شهرا وهو يحسب مصاريف السكن والكهرباء والوقود والتأمين والطعام، ويشتغل ساعات طويلة حتى يوفر بعض المال، ثم يأتي إلى المغرب ليصرف خلال أسابيع جزءا مهما مما جمعه حتى يحافظ على صورة اجتماعية رسمها لنفسه أو رسمها له المحيط.
ولا عيب إطلاقا في أن يعمل المغربي في البناء أو المطاعم أو النظافة أو المصانع أو الفلاحة أو غيرها من المهن. العيب ليس في العمل، بل في أن يشعر الإنسان بأنه مضطر لإخفاء حقيقة حياته خلف سيارة مكتراة وساعة باهظة وطاولة في ملهى حتى يحصل على اعتراف اجتماعي زائف.
فالنجاح لا تقيسه لوحة ترقيم أجنبية، ولا عدد أحصنة محرك السيارة، ولا ثمن القميص، ولا قيمة الفاتورة التي يضعها شخص أمام أصدقائه.
الأكثر خطورة أن هذه الصورة لا تنتهي بانتهاء العطلة.
فعندما تنتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي، تتحول إلى مادة يستهلكها آلاف الشباب في المغرب، وقد يراها شاب عاطل أو مراهق يعيش في منطقة فقيرة دون أن يعرف ما يوجد خلف الكاميرا.
هو لا يرى أقساط السيارة ولا إيجار المنزل ولا الضرائب ولا ساعات العمل الطويلة ولا الوحدة ولا صعوبة الغربة. يرى فقط شابا عاد من أوروبا بسيارة قوية، يحمل هاتفا حديثا، يجلس في أماكن فاخرة وينفق المال بسهولة.
وهكذا تبدأ صناعة الوهم.
يترسخ لدى البعض أن أوروبا تعني السيارة الفاخرة والمال السريع والملابس والسهرات، بينما تختفي من الصورة سنوات العمل والاندماج واللغة والمصاريف والمسؤوليات.
وقد يصبح هذا الاستعراض، دون قصد من صاحبه، دعاية مجانية لـ”الحلم الأوروبي” في أكثر نسخه سطحية.
شاب يشاهد هذه الصور قد لا يقول لنفسه: أريد أن أتعلم وأعمل وأبني مستقبلي.
قد يقول ببساطة: أريد أن أصل إلى أوروبا.
وهنا يصبح السؤال أكبر من سيارة مكتراة أو سهرة صيفية. ماذا نصنع في مخيلة الشباب عندما نقدم لهم حياة غير موجودة إلا خلال ثلاثة أسابيع من السنة؟
من حق المهاجر أن يفرح بعطلته، وأن يكتري السيارة التي يحب، ويسافر ويقيم في الفندق الذي يستطيع تحمل تكلفته ويكرم أسرته وينفق من ماله كما يشاء. لا أحد يملك حق محاسبته على اختياراته الشخصية.
لكن الفرق كبير بين الاستمتاع بما تملك وبين الإنفاق من أجل إقناع الآخرين بأنك تملك أكثر مما تملك.
والفرق أكبر بين شخص نجح فعلا ويعيش وفق إمكانياته، وشخص أصبح أسيرا لنظرة المجتمع إليه، يخشى أن يعود بسيارة عادية لأن الناس قد يقولون: “سنوات وهو في أوروبا وها هو كيف عاد”.
ربما المشكلة إذن ليست في “الزماكري” وحده.
المشكلة أيضا في مجتمع لا يزال جزء منه يقيس النجاح بالمظاهر، ويسأل المهاجر عن السيارة قبل أن يسأله عن حياته، وعن المال قبل أن يسأله عن تجربته، وعن الهدايا قبل أن يسأله عن سنوات الغربة.
نحن أمام دائرة يغذي فيها الجميع الجميع.
المهاجر يريد إبهار المحيط، والمحيط ينتظر منه أن يبهره، وشركات الكراء والمطاعم والمنتجعات تستفيد من موسم الاستعراض، ثم تأتي مواقع التواصل الاجتماعي لتمنح المشهد جمهورا أكبر بكثير.
وفي النهاية، قد يعود صاحبنا إلى بلد الإقامة بعد انتهاء الصيف. تختفي السيارة الفارهة لأنها كانت مكتراة، وتنتهي السهرات، ويعود إلى عمله والتزاماته وفواتيره وحياته الطبيعية.
لكن الصور تبقى.
وتبقى معها لدى شاب في الضفة الأخرى فكرة واحدة: “فلان مشى لأوروبا وشوف كيفاش ولا”.
ربما حان الوقت لنغير الصورة التي نقدمها عن النجاح.
ليس النجاح أن تأتي إلى المغرب بسيارة قيمتها مئات الآلاف من الدراهم، بل أن تكون حياتك مستقرة دون أن تضطر إلى تمثيل دور شخص آخر.
وليس النجاح أن تجعل أبناء الحي يتساءلون من أين حصلت على كل هذا المال، بل أن تجعل أبناءك وعائلتك فخورين بالطريق الذي قطعته بعملك وكرامتك.
أما السيارة، والساعة، والطاولة، والصور، فكلها تفاصيل تنتهي.
لأن السؤال الحقيقي ليس: “بشنو دخلتي للمغرب هاد الصيف؟”
بل: عندما تنتهي الصور ويغلق الهاتف وتعود الحياة إلى طبيعتها.. ماذا بنيت فعلا؟

