يقين 24
تدخل العلاقة بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة بجهة بني ملال خنيفرة مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، بعدما خرج الخلاف من دائرة التنافس السياسي العادي إلى مواجهة مفتوحة عنوانها اتهامات مباشرة بتوظيف المال العام ومشاريع الجهة في حملة انتخابية سابقة لأوانها، خاصة بإقليم خنيفرة.
وفي قلب هذه المواجهة، شن مولاي مصطفى العلوي الإسماعيلي، المستشار البرلماني والمنسق الإقليمي لحزب التجمع الوطني للأحرار بخنيفرة، هجوما قويا على عادل بركات، رئيس مجلس جهة بني ملال خنيفرة والقيادي بحزب الأصالة والمعاصرة، متهما إياه بتوظيف أموال ومشاريع الجهة انتخابيا، وبإطلاق دينامية مشاريع في توقيت يثير، بحسبه، أكثر من علامة استفهام.
وخلال لقاء حزبي بأجلموس، قال العلوي الإسماعيلي إن هذه، حسب تعبيره، “أول مرة يدخل فيها المال العام للجهة في حملة انتخابية سابقة لأوانها”، معتبرا أن رئيس الجهة لم يظهر هذا الحجم من الاهتمام بإقليم خنيفرة إلا بعد خمس سنوات قال إنها اتسمت بغيابه عن الإقليم.
الأخطر في اتهامات قيادي الأحرار يتعلق بطريقة برمجة وتنفيذ المشاريع، إذ اتهم رئيس الجهة بالاعتماد على ما يسمى “لجنة الإشراف” في برمجة وتنفيذ عدد من الأوراش خارج المجلس التداولي للجهة، معتبرا أن الأمر يشكل إهانة لأعضاء المجلس وتجاوزا لدور المؤسسة المنتخبة.
وبحسب العلوي الإسماعيلي، فإن أكثر من 600 اتفاقية توجد في وضعية توقف أو دون تمويل رغم التصويت والمصادقة على عدد منها، في مقابل تحريك مشاريع أخرى بوتيرة متسارعة، مضيفا أن لجنة الإشراف تحولت، حسب وصفه، من آلية للتنفيذ إلى آلية للبرمجة.
ولم يتوقف هجوم المنسق الإقليمي للأحرار عند حدود التدبير، بل ربط المسألة مباشرة بالتنافس الانتخابي، قائلا إن “المرشح الذي ينتمي إلى حزب رئيس الجهة” أصبح، وفق روايته، يظهر في واجهة جلب المشاريع إلى الجماعات، بينما يوجد ثمانية أعضاء لمجلس الجهة عن إقليم خنيفرة ومن انتماءات سياسية مختلفة قال إنهم يتعرضون للإقصاء.
وذهب العلوي الإسماعيلي إلى أبعد من ذلك حين اتهم الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع بالتحول، حسب تعبيره، من “الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع” إلى “وكالة حزبية لتنفيذ المشاريع”، مؤكدا إطلاق أكثر من 20 مشروعا في ظرف ثلاثة أشهر فقط.
هذا التسارع في تنزيل المشاريع، المتزامن مع تكثيف رئيس الجهة لتحركاته داخل إقليم خنيفرة، هو ما يحاول الأحرار اليوم وضعه في قلب النقاش السياسي، معتبرين أن الأمر لم يعد مجرد دينامية تنموية، بل أصبح يطرح سؤالا مباشرا حول حدود الفصل بين ممارسة المسؤولية العمومية والاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفي السياق نفسه، دخل المصطفى أبو الخير على خط المواجهة، منتقدا ما اعتبره تحولا مفاجئا في علاقة بعض القيادات السياسية بإقليم خنيفرة، وقال في تصريح لافت إن “سبع سنوات وإقليم خنيفرة لم ير هيئة سياسية معينة ولم يعرفها، بل كانت، حسب تعبيره، تحارب الإقليم، وفجأة بين ليلة وضحاها أصبح هذا الإقليم أعز عليها حتى من أقاليمها”.
تصريح أبو الخير يضيف بعدا سياسيا آخر إلى المواجهة، إذ لا يطعن فقط في توقيت إطلاق المشاريع، بل يشكك أيضا في خلفية هذا الاهتمام المفاجئ بخنيفرة، ويربطه ضمنيا بحسابات انتخابية أكثر منه بتحول حقيقي في أولويات التنمية الجهوية.
وقد بلغ التصعيد ذروته حين قال العلوي الإسماعيلي إن المشهد السياسي تجاوز، حسب تعبيره، “مرحلة استعمال الدين في السياسة واستعمال المال غير المشروع”، ليصل اليوم إلى “استعمال المال العام في السياسة”، وهي عبارة تكشف بوضوح أن الصراع بين “الحمامة” و”الجرار” داخل الجهة دخل مرحلة كسر العظام.
كما استحضر المتحدث مشروع الكهرباء القروية الذي قال إنه يهم 72 دوارا، معتبرا أن الأولوية ينبغي أن تعطى لمثل هذه المشاريع المرتبطة بمعالجة الفوارق المجالية، بدل اختيار الأوراش، حسب اتهامه، بمنطق سياسي وانتخابي.
العلوي الإسماعيلي ربط انتقاداته كذلك بمبدأ تكافؤ الفرص بين الأحزاب، معتبرا أن أي استعمال للمشاريع العمومية في تعزيز موقع طرف حزبي بعينه يمس بقواعد المنافسة الديمقراطية، ويضع المؤسسات المنتخبة أمام اختبار حقيقي في الحكامة والشفافية.
ومع تصاعد حدة تصريحات قيادات الأحرار، بات واضحا أن المواجهة مع رئيس الجهة لم تعد مجرد خلاف داخلي حول الأولويات أو طرق التدبير، بل أصبحت معركة سياسية مفتوحة حول من يتحكم في المشروع التنموي الجهوي ومن يجني ثماره سياسيا مع اقتراب المواعيد الانتخابية.
غير أن خطورة الاتهامات الموجهة إلى رئيس الجهة تفرض، بالمقابل، تقديم جواب مؤسساتي واضح. فإما أن تكون المشاريع التي يجري تنفيذها اليوم مبرمجة مسبقا ضمن اتفاقيات ومساطر قانونية ومصادق عليها داخل المؤسسات، وعندها ينبغي كشف الوثائق والتواريخ للرأي العام، أو أن هناك بالفعل تغييرا في ترتيب الأولويات خارج التداول المؤسساتي، وهو ما يستوجب التوضيح والتحقق من الجهات المختصة.
فالمال العام ليس ملكا للأحزاب، والمشاريع الجهوية ليست أدوات للدعاية، والتنمية لا ينبغي أن تصبح جواز مرور انتخابيا لأي مرشح.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في خنيفرة: هل تعيش المنطقة فعلا دينامية تنموية متأخرة، أم أن الجهة دخلت مبكرا زمن الانتخابات بأوراش ممولة من المال العام؟

