يقين 24
غادرت القناة الثانية “دوزيم” موقع الناقل المحايد لتظهر، عبر فقرة “نافذة على الانتخابات” ضمن النشرة الإخبارية لظهيرة يوم الأربعاء 26 غشت الجاري،التي تقدمها الصحفية سناء رحيمي، أقرب إلى منصة تحريرية تردد رواية حزب التجمع الوطني للأحرار ضد حزب الأصالة والمعاصرة وعضو مكتبه السياسي فوزي لقجع، في توقيت انتخابي شديد الحساسية تفرض فيه قواعد “الهاكا” التعددية والإنصاف والحياد ونزاهة المعلومة.
الفقرة التي بثتها “دوزيم” جمعت بلاغ المكتب السياسي لـ”الأحرار”، والتسجيل الصوتي المسرب لمداخلة عضو مكتبه السياسي ورئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، وتصريح رئيسه محمد شوكي لموقع “هسبريس”، مانحة التنظيم الحزبي مساحة واسعة لتقديم اتهاماته بشأن استمالة المنتخبين والضغط عليهم، من دون منح قيادة “الجرار” فرصة لتقديم روايتها أو الدفاع عن عضو مكتبه السياسي فوزي لقجع.
حتى التسجيل الذي أحرج رشيد الطالبي العلمي بسبب قسمه على حرمان قوزي لقجع من وزارة الاقتصاد والمالية، جرى توظيفه داخل سردية استقطاب المرشحين، عوض مساءلة رئيس مجلس النواب عن الأساس الذي منحه حق توزيع الحقائب الحكومية قبل الاقتراع، رغم أن الفصل 47 من الدستور يجعل تعيين أعضاء الحكومة اختصاصا ملكيا يمارس بناء على اقتراح رئيسها.
لقد بثت القناة الثانية أيضا تصريح محمد شوكي لموقع إلكتروني، لكنها تجنبت البحث عن موقف مقابل من القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة أو مسؤوليها، رغم أن الموضوع يقوم أساسا على مواجهة مباشرة بين حزبين مشاركين في الأغلبية الحكومية.
وازداد الانحياز وضوحا مع نقل الفقرة إلى الحسابات الرسمية للقناة على مواقع التواصل الاجتماعي، مرفقة بصيغة استفهامية تقول: “هل تحولت محاولات استمالة المنتخبين والمرشحين إلى ورقة ضغط داخل السباق الانتخابي؟”، قبل تقديم “الأحرار” بوصفه حزبا “يصعد لهجته ويحذر من ممارسات تهدد مصداقية العمل السياسي”.
لقد كان بوسع القناة الثانية الاتصال بقيادة “البام”، أو تضمين موقف أحد أعضاء مكتبه السياسي، أو المنتخبين المعنييين ببلاغ “الحمامة” أو الإشارة إلى تعذر الحصول على تعليق، حيث أن اختيار إقصاء كل هذا منح المادة الخبرية اتجاها واحدا وحول الخدمة الاعلامية العمومية إلى مكبر صوت لرواية انتخابية حزبية.
وتزداد مسؤولية “دوزيم” بالنظر إلى أن البث جرى داخل الفترة الانتخابية التي حددتها الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري في 39 يوما، من 15 غشت إلى 22 شتنبر 2026.
فالقرار الخاص بانتخابات 2026 يلزم الخدمات السمعية البصرية بتمكين الأحزاب والمترشحين من الولوج إلى البرامج وفق قواعد التعددية والتوازن والنزاهة والموضوعية، كما يحمل القنوات كامل المسؤولية التحريرية عن المواد المرتبطة بالانتخابات.
ويشدد القرار على صون حق المواطنين في خبر موثوق وتعددي يسمح بالاختيار الحر، مع منع التواصل الانتخابي المقنع، وإلزام القنوات بعدم اقتطاع تصريحات الفاعلين السياسيين من سياقاتها أو استغلال المواقع الصحفية لتقديم أفكار متحيزة وتأويلات مغرضة.
كما أعلنت الهيئة إحداث لجنة يقظة لمواكبة البرامج الانتخابية، مع إبقاء المجلس الأعلى في حالة انعقاد مفتوح طوال الفترة المحددة، للتفاعل مع أي إخلال بمبادئ التعددية والإنصاف والحياد ونزاهة الخبر.
ويلزم القانون رقم 77.03 المتعلق بالاتصال السمعي البصري شركة «سورياد–القناة الثانية» باحترام دفتر تحملاتها ومهام المرفق العام، ويتيح طلب جواب أو بيان حقيقة لفائدة الطرف المتضرر من بث معلومة تمس به أو تبدو مخالفة للحقيقة.
وسبق للمجلس الأعلى للاتصال السمعي البصري أن أكد في قراراته أن الخبر التعددي يقتضي تقديم المواقف المختلفة، وتمكين الجمهور من تكوين قناعته بحرية، مع ضرورة بذل الجهد المهني لإعطاء الكلمة للأطراف المتواجهة في القضايا التي تهم الرأي العام.
وإذا كانت “دوزيم” قد اختارت إعلان اصطفافها إلى جانب حزب التجمع الوطني الأحرار بهذه الطريقة، فقد وضعت صدقيتها أمام اختبار ثقيل، لأن القناة التي تقدم بلاغ “الأحرار” وتسجيل أحد قيادييه وتصريح رئيسه، ثم تغلق الميكروفون أمام “البام”، لا توفر خبرا متوازنا بقدر ما تقدم خدمة اتصال سياسي لطرف انتخابي.
إن المطلوب من “الهاكا” رصد الفقرة كاملة، وتقييم طريقة اختيار المصادر وترتيب المداخلات وغياب الرأي المقابل، ثم تحديد مدى انسجامها مع القرار المؤطر لانتخابات 2026 ودفتر تحملات القناة الثانية، مع إسقاط العقوبات اللازمة في حقها.

