يقين 24/ حليمة صومعي
لم يكن تصريح عادل بركات، رئيس مجلس جهة بني
ملال–خنيفرة والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، خلال اللقاء الحزبي الأخير بأولاد ناصر بإقليم الفقيه بن صالح، مجرد إشادة عابرة بفوزي لقجع، ولا مجاملة سياسية تنتهي بانتهاء اللقاء.
حين يقول رئيس جهة إن جميع المشاريع المنجزة بالجهة يعود الفضل فيها إلى فوزي لقجع، وإنه لولا هذا الأخير لما ترجمت تلك المشاريع إلى أرض الواقع، فإن الكلام يفتح نقاشاً أكبر من حدود التصفيق لشخص أو الاحتفاء بمسؤول. إنه يضع أمام الرأي العام سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: إذا كان شخص واحد وراء كل هذه المشاريع، فأين موقع المؤسسات المنتخبة؟ وأين أدوار المجالس والمنتخبين والأطر والقطاعات الحكومية التي يفترض أنها شريكة في صناعة التنمية؟
ومن الطبيعي أن تكون هناك شخصيات ومسؤولون ساهموا في الدفع بعدد من الملفات وتسريع إخراج بعض المشاريع إلى حيز التنفيذ، وهو أمر يستحق التنويه متى ثبتت المساهمة والجهود المبذولة. لكن التنمية في النهاية ليست عملاً فردياً، ولا يمكن اختزال مسار مؤسساتي كامل في شخص واحد، لأن وراء كل مشروع مؤسسات ومنتخبين وأطر وقرارات واتفاقيات وموارد مالية، وكل طرف مطالب بأن يتحمل نصيبه من المسؤولية أمام المواطنين.
مجلس الجهة مؤسسة منتخبة، وله اختصاصات وبرامج وميزانية واتفاقيات. والمجالس الإقليمية والجماعات الترابية بدورها مؤسسات قائمة بذاتها، والمنتخبون لم ينتخبهم المواطنون ليكونوا مجرد شهود على إنجازات الآخرين، وإنما لتحمل مسؤولية التدبير والترافع واتخاذ القرار ومساءلة من يجب مساءلته.
فالمشاريع العمومية ليست هبات شخصية، ولا ملكاً سياسياً لهذا المسؤول أو ذاك. إنها نتيجة مساطر وقرارات واتفاقيات وتمويلات ومجهودات متراكمة، يشارك فيها أكثر من طرف، وتُنجز باسم الدولة والمؤسسات ولصالح المواطنين.
والأخطر في اختزال التنمية في الأشخاص أنه يضعف ثقة المواطن في المؤسسة. فحين يسمع المواطن أن مشروعاً ما لم يكن ليرى النور لولا تدخل شخص بعينه، فمن الطبيعي أن يتساءل: هل المؤسسات المنتخبة قادرة فعلاً على القيام بأدوارها؟ وهل التنمية مرتبطة بالقانون والبرامج، أم أصبحت مرتبطة بمن يملك مفاتيح الأبواب؟
ثم إن رئيس الجهة، بحكم موقعه، ليس مطالباً فقط بمدح من ساهم في إنجاز المشاريع، بل مطالب أيضاً بالدفاع عن قيمة المؤسسة التي يرأسها. لأن الاعتراف بدور الآخرين لا ينبغي أن يتحول، ولو بشكل غير مباشر، إلى انتقاص من دور المجلس والمنتخبين الذين يتحملون المسؤولية أمام الناخبين.
المواطن لا يريد أن يعرف فقط من اتصل بمن، ومن تدخل لدى من، ومن فتح الباب لهذا المشروع أو ذاك. المواطن يريد أن يعرف ماذا أنجزت المؤسسات، وما هي المشاريع المبرمجة، وما حجم الاعتمادات المرصودة، وما هي آجال الإنجاز، ومن يتحمل المسؤولية عندما تتعثر المشاريع.
وفي سياق سياسي تقترب فيه الاستحقاقات الانتخابية، تصبح مثل هذه التصريحات أكثر حساسية. فالمواطن قد يصفق للإنجاز، لكنه في النهاية يريد مؤسسات لا أشخاصاً، وبرامج لا وعوداً، وحصيلة قابلة للقياس والمحاسبة، لا سردية سياسية تجعل التنمية مرتبطة بشخص واحد.
فإذا كان الفضل في كل ما تحقق يعود إلى شخص واحد، فليُطرح السؤال بكل وضوح: ما الذي فعلته المؤسسات؟ وإذا كانت المؤسسات قد قامت بأدوارها، فلماذا يتم اختزال كل ذلك في اسم واحد؟
التنمية الحقيقية لا تحتاج إلى بطل واحد. تحتاج إلى مؤسسات قوية، ومنتخبين يتحملون مسؤولياتهم، وإدارة تعمل بجدية، وميزانيات واضحة، وبرامج قابلة للتنفيذ، ومواطن قادر على المحاسبة.
أما تحويل المشاريع إلى رصيد سياسي لأشخاص، فهو لا يخدم التنمية ولا يقوي المؤسسات.
فالجهة ليست ملكاً لشخص، والمشاريع ليست غنائم سياسية، والإنجازات لا ينبغي أن تتحول إلى أوراق انتخابية.
قد تتغير الوجوه، وتتبدل المواقع، وتنتهي الولايات الانتخابية، لكن المؤسسة يجب أن تبقى.
وهنا تحديداً يكمن السؤال الذي يستحق أن يُطرح بقوة بعد تصريح أولاد ناصر: هل نريد تنمية تُبنى بالمؤسسات، أم تنمية تُختزل في الأشخاص؟
لأن المواطن في النهاية لا يصوت لمن يملك مفاتيح الأبواب، بل لمن يستطيع أن يفتح أبواب المؤسسة أمام الجميع.

