إعداد: محمد جواد سيفاو مخرج وإعلامي وباحث في السوسيولوجيا
في زمن الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، ما تزال الشعوذة تحافظ على حضورها القوي داخل المجتمع المغربي، ليس فقط كممارسة هامشية مرتبطة بالخرافة، بل كظاهرة اجتماعية واقتصادية تستقطب آلاف الأشخاص الباحثين عن حلول سريعة لمشاكلهم النفسية أو العائلية أو المادية.
ورغم التطور الذي تعرفه وسائل التواصل والمعرفة، لا يزال “الفقيه” و”الشوافة” يحظيان بثقة شريحة واسعة من المواطنين، في مشهد يكشف حجم التناقض بين مظاهر الحداثة واستمرار الاعتقاد في قوى الغيب والدجل والشعوذة.
ويرى مختصون في علم الاجتماع أن قوة المشعوذين لا ترتبط بامتلاكهم قدرات حقيقية، بقدر ما تقوم على ما يسمى بـ”الرأسمال الرمزي”، أي تلك السلطة المعنوية التي يمنحها المجتمع طواعية للأشخاص الذين يقدمون أنفسهم كوسطاء لحل الأزمات وفك “الطلاسم” وجلب الحظ أو العلاج.
هذا النوع من الهيمنة النفسية يجعل الضحية يدخل في دائرة من التصديق المطلق، حيث يتحول الوهم إلى حقيقة راسخة بفعل الخوف واليأس والحاجة إلى الأمل، خصوصاً في ظل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع البعض للبحث عن حلول خارج المنطق والعلم.
ومع التحول الرقمي، لم تعد الشعوذة مرتبطة فقط بالأحياء الشعبية أو الجلسات السرية، بل انتقلت إلى العالم الافتراضي، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً مفتوحاً لترويج الوهم واستقطاب الضحايا عبر البث المباشر والإعلانات الممولة والوعود الزائفة.
وبات بعض المشعوذين يقدمون أنفسهم في صورة “معالجين روحانيين” أو “خبراء طاقة”، مستغلين اللغة الدينية أحياناً والخطاب النفسي أحياناً أخرى، من أجل كسب ثقة المتابعين وإقناعهم بقدرتهم على حل المشاكل الأسرية أو جلب الرزق أو فك السحر والحسد.
ولا تتوقف خطورة هذه الظاهرة عند الجانب المادي فقط، بل تمتد إلى آثار نفسية واجتماعية خطيرة، من بينها تفكك العلاقات الأسرية، وانتشار الخوف والقلق، وضياع الثقة في الطب والعلم والمؤسسات المختصة.
كما حذرت تقارير حقوقية من تحول بعض أوكار الشعوذة إلى فضاءات للاستغلال والابتزاز، خصوصاً في حق النساء والأشخاص الذين يعيشون أوضاعاً نفسية أو اجتماعية هشة، حيث يتم استغلال ضعفهم لتحقيق مكاسب مالية ضخمة تحت غطاء “العلاج الروحاني”.
ويرى متابعون أن محاربة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم فقط عبر المتابعات القانونية، بل تحتاج إلى عمل مجتمعي متكامل يقوم على تعزيز التربية العلمية، ونشر ثقافة التفكير النقدي، وتشجيع الخطاب الديني المعتدل، إلى جانب دور الإعلام في كشف أساليب التضليل التي يعتمدها تجار الوهم.
ويبقى الرهان الحقيقي، حسب مختصين، هو بناء مجتمع يثق في العلم والعقل، ويواجه الخرافة بالوعي والمعرفة، بعيداً عن الخوف والاستسلام للأوهام التي تستنزف المال وتزرع القلق في النفوس.

