يقين 24
عادت الأصول الإيرانية المجمدة إلى صدارة المشهد الدولي باعتبارها واحدة من أكثر الأوراق تأثيراً في مسار العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وإيران. ففي الوقت الذي تتواصل فيه التوترات السياسية والعسكرية بين الطرفين، يبرز ملف الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج كأحد المفاتيح الرئيسية لأي اتفاق محتمل قد يعيد رسم التوازنات الاقتصادية والسياسية في المنطقة.
وتقدر قيمة هذه الأصول بحوالي 100 مليار دولار موزعة بين عدة دول ومؤسسات مالية عالمية، وتشمل أساساً عائدات صادرات النفط والغاز التي تعذر على إيران الاستفادة منها بسبب العقوبات الأمريكية المتعاقبة. وتعود جذور هذا الملف إلى سنة 1979 عقب الثورة الإيرانية وأزمة احتجاز الرهائن بالسفارة الأمريكية، قبل أن يتحول مع مرور الوقت إلى أحد أبرز أدوات الضغط الاقتصادي التي استخدمتها واشنطن في مواجهة طهران.
وخلال السنوات الماضية، لعبت العقوبات المالية دوراً محورياً في إضعاف الاقتصاد الإيراني، حيث فقد البنك المركزي الإيراني جزءاً مهماً من قدرته على الوصول إلى احتياطاته من العملات الأجنبية، وهو ما انعكس على قيمة الريال الإيراني ومعدلات التضخم ومستويات المعيشة. ومع تصاعد الضغوط الاقتصادية والحرب المستمرة، أصبحت هذه الأموال بالنسبة إلى طهران أكثر من مجرد أصول مالية، بل تمثل فرصة لإعادة التوازن إلى اقتصاد يعاني من اختلالات متراكمة.
وكان الاتفاق النووي الموقع سنة 2015 قد منح إيران فرصة لاستعادة جزء من أموالها المجمدة، غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق سنة 2018 خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب أعاد العقوبات إلى الواجهة وأغلق مجدداً منافذ الوصول إلى جزء كبير من تلك الأصول. واليوم، ومع عودة الحديث عن تسويات محتملة، عاد ملف الأموال المجمدة ليشكل محوراً رئيسياً في أي مفاوضات بين الجانبين.
وتوجد هذه الأموال أساساً في دول كانت تستورد النفط الإيراني، مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية والعراق، حيث ظلت محتجزة بسبب القيود الأمريكية المفروضة على التحويلات المالية والتعاملات التجارية مع إيران. كما أن العديد من الدول والمؤسسات المالية فضلت تجنب أي خطوات قد تعرضها لعقوبات أمريكية ثانوية، ما جعل جزءاً مهماً من هذه الأموال خارج متناول طهران رغم ملكيتها القانونية لها.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الإفراج عن هذه الأصول يمكن أن يشكل دفعة قوية للاقتصاد الإيراني، إذ تمثل قيمتها أكثر من خمس الناتج الداخلي الخام للبلاد. كما أن ضخ جزء منها في السوق المحلية قد يساهم في دعم العملة الوطنية وتمويل الواردات الأساسية وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل الارتفاع القياسي للتضخم وتراجع مستويات التشغيل.
غير أن مراقبين يعتبرون أن الأثر الحقيقي لهذه الأموال لن يتوقف فقط على حجم المبالغ التي سيتم الإفراج عنها، بل على طبيعة الاتفاق السياسي المصاحب لها. فواشنطن تنظر إلى هذه الأصول باعتبارها ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لدفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملفات حساسة، وعلى رأسها البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي.
وفي المقابل، تنظر إيران إلى هذه الأموال باعتبارها حقاً سيادياً لا ينبغي أن يكون موضوع مقايضة سياسية، وهو ما يجعل المفاوضات حولها معقدة ومفتوحة على عدة سيناريوهات. فبين من يرى فيها بوابة لتخفيف التوتر وبناء الثقة، ومن يعتبرها مجرد هدنة اقتصادية مؤقتة، يبقى مستقبل هذه المليارات مرتبطاً بمآلات الصراع السياسي الأوسع بين البلدين.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، يظل ملف الأصول الإيرانية المجمدة أحد أبرز مفاتيح التوازن بين واشنطن وطهران، ليس فقط لأنه يتعلق بأموال ضخمة، بل لأنه يجسد جوهر الصراع الدائر منذ أكثر من أربعة عقود بين منطق العقوبات ومنطق التسويات.

