يقين24 – لخضر حمزة
ليست كل المآسي تلك التي تصنعها الكوارث الكبرى أو الحروب، فبعضها يبدأ بخطأ إداري صغير، ثم يكبر بصمت إلى أن يتحول إلى مأساة إنسانية كاملة. ومأساة الشاب محمد تحيف ليست مجرد ملف إداري عالق، بل صورة مؤلمة لوضع يعيشه كثير من الشباب الذين يجدون أنفسهم في مواجهة قاسية مع واقع يفترض أن يحميهم لا أن يسحقهم.
في قلب المدينة القديمة، بدرب كشبار زنقة 8 رقم 9، عاش هذا الشاب داخل بيت ورث فيه الذاكرة قبل الجدران. منزل بسيط سكنه والده منذ سنة 1946، واحتضن أسرة كاملة عاشت تفاصيل الحياة بكل ما فيها من تعب وأمل. هناك كبر الأبناء، وهناك رحلت الأم سنة 2000، ثم الأب سنة 2008، ليبقى محمد وحيداً يحمل عبء المكان وذكرياته، متمسكاً بحقه في العيش رغم هشاشة البيت وتهديد الانهيار.
كل الوثائق كانت واضحة. اسمه حاضر في الإحصاء الرسمي لسنة 2024، مدعوم بتنازلات إخوته الخمسة لفائدته، في اعتراف صريح بأحقيته في الاستفادة من السكن البديل. ثم جاء قرار الهدم سنة 2025، حاملاً أملاً جديداً في بداية حياة أكثر استقراراً. لكن ما حدث بعد ذلك كشف وجهاً آخر للمعاناة.
في لحظة واحدة، تحول الحلم إلى صدمة. السلطات حضرت، الماء والكهرباء قُطعا، البيت هُدم بالكامل، ثم قيل له ببساطة: “اسمك غير موجود ضمن لائحة المستفيدين”. السبب؟ لأنه متزوج.
أي منطق هذا الذي يجعل الزواج، وهو خطوة نحو الاستقرار وبناء الأسرة، سبباً في الإقصاء بدل أن يكون دافعاً للحماية الاجتماعية؟ وكيف يمكن لحق دستوري كالسكن اللائق أن يتحول إلى امتياز هش تسقطه تفاصيل إدارية قابلة للتصحيح؟
الأكثر قسوة أن الشاب لم يكن يواجه قراراً غامضاً أو نزاعاً معقداً، بل خطأ اعترف به الجميع، من عون السلطة إلى الباشا نفسه. ومع ذلك، ظل الملف معلقاً، وكأن الاعتراف بالخطأ لا يكفي لإصلاحه، وكأن حياة الناس يمكن أن تبقى رهينة بطء إداري لا يرى حجم الألم الذي يصنعه.
وحين يصل الأمر بإنسان إلى تطليق زوجته فقط ليستعيد حقه، فنحن هنا لا نتحدث عن مجرد خلل إداري، بل عن سقوط أخلاقي في طريقة تدبير ملفات يفترض أن تمس الكرامة الإنسانية قبل أي شيء آخر. لأن الإدارة التي تدفع مواطناً إلى التضحية باستقراره الأسري من أجل حق مشروع، هي إدارة تحتاج إلى مراجعة عميقة لمعنى العدالة والإنصاف.
القضية هنا ليست قضية محمد وحده. إنها قضية شباب يشعر اليوم أن القانون قد يتحول أحياناً إلى أداة قاسية حين يغيب عنه البعد الإنساني. فالدستور المغربي واضح حين يضمن الحق في السكن اللائق، والتوجيهات الملكية لم تتوقف يوماً عن التأكيد على ضرورة صون كرامة الشباب وتمكينهم من شروط العيش الكريم. لكن بين النصوص والواقع، توجد أحياناً مسافة مؤلمة يصنعها سوء التطبيق وغياب الجرأة على تصحيح الأخطاء.
إن أخطر ما يمكن أن يقع داخل أي مجتمع ليس الفقر وحده، بل شعور الناس بأن حقوقهم يمكن أن تضيع رغم وضوحها. لأن المواطن حين يفقد الثقة في إمكانية الإنصاف، يبدأ تدريجياً في فقدان الإيمان بكل شيء من حوله.
لهذا، فإن إنصاف هذا الشاب اليوم ليس مجرد معالجة لملف فردي، بل رسالة ضرورية بأن الدولة قادرة على تصحيح أخطائها، وأن العدالة ليست شعاراً يردد في الخطب، بل ممارسة يومية يشعر بها المواطن في أبسط حقوقه.
فالأوطان لا تبنى فقط بالإسمنت والمشاريع الكبرى، بل تبنى قبل ذلك بإحساس الناس بأن كرامتهم مصونة، وأن القانون وجد لحمايتهم لا لمعاقبتهم.

