يقين 24
يحل عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، بإقليم الدريوش يوم الأحد المقبل، للمشاركة في تجمع حزبي بجماعة دار الكبداني، في محطة سياسية يصعب فصل توقيتها عن أجواء الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في شتنبر المقبل.
في الظروف العادية، لا تحمل زيارة أمين عام حزب سياسي إلى أي إقليم ما يستدعي الكثير من التوقف. فمن حق الأحزاب التواصل مع المواطنين، ومن واجب قياداتها النزول إلى الميدان والاستماع إلى انتظارات الناخبين. غير أن زيارة بنكيران إلى الدريوش تفتح بابا آخر للنقاش: لماذا يحضر الإقليم بقوة في أجندة الرجل اليوم، بينما لم يعرف حضورا مماثلا له خلال سنوات وجوده على رأس الحكومة؟
بنكيران لم يكن مجرد زعيم حزب خلال الفترة الممتدة بين 2011 و2017، بل كان رئيسا للحكومة، أي في موقع يتيح له التأثير في السياسات العمومية والبرامج الحكومية والتوجهات الاجتماعية والاقتصادية. لذلك، فإن عودته اليوم إلى منطقة عانت طويلا من إكراهات التنمية والهجرة والبطالة تضع حصيلته الحكومية نفسها أمام السؤال.
الدريوش ليست مجرد محطة انتخابية أو خزانا للأصوات. إنها إقليم دفعت ظروفه الاجتماعية والاقتصادية أعدادا من أبنائه إلى البحث عن مستقبل خارج المنطقة، بل وخارج الوطن، وظلت مطالب التشغيل والاستثمار والبنيات التحتية وتحسين الخدمات العمومية حاضرة بقوة في انتظارات ساكنته.
وهنا تبرز المفارقة التي قد لا تمر دون نقاش: عندما كان بنكيران رئيسا للحكومة، كانت أمامه سنوات كاملة ليجعل من الدريوش وغيرها من الأقاليم البعيدة عن مركز القرار جزءا من أولويات العمل الحكومي والتواصل الميداني. واليوم، قبيل الانتخابات، يصل الأمين العام للعدالة والتنمية إلى دار الكبداني للحديث إلى المواطنين وطلب ثقتهم السياسية من جديد.
ومن حق بنكيران وحزبه تقديم قراءتهما الخاصة لما تحقق خلال تجربتهما الحكومية، تماما كما يحق للناخب في الدريوش أن يسأل عن نصيبه من تلك التجربة.
ماذا قدمت الحكومتان اللتان قادهما العدالة والتنمية للمنطقة؟ وما المشاريع التي غيرت فعليا حياة السكان؟ وكم من فرصة شغل أحدثت للشباب؟ وهل تقلصت أسباب الهجرة أم ظلت الهجرة بالنسبة إلى جزء من شباب الإقليم بابا للبحث عن أفق اجتماعي واقتصادي أفضل؟
إن الفرق بين السياسة في زمن المسؤولية والسياسة في زمن الانتخابات يظهر تحديدا في مثل هذه المحطات. ففي الأولى يمتلك المسؤول سلطة القرار والإمكانات والبرامج والميزانيات، وفي الثانية يمتلك الخطاب والوعود ومحاولة إقناع الناخب بمنحه الثقة.
والساكنة اليوم ليست مطالبة فقط بالاستماع إلى ما سيقوله بنكيران في تجمعه الحزبي، بل من حقها أيضا أن تقارن بين خطابه الجديد وحصيلة سنوات حزبه في تدبير الحكومة.
فالمناطق البعيدة عن الرباط لا تحتاج إلى أن تتذكرها القيادات السياسية كلما اقتربت صناديق الاقتراع، ثم تعود إلى هامش الخريطة السياسية بعد إعلان النتائج. الدريوش، مثل غيرها من أقاليم المملكة، تحتاج إلى حضور سياسي ومؤسساتي مستمر، وإلى مشاريع وفرص شغل واستثمارات قادرة على منح شبابها أسباب البقاء والأمل في المستقبل.
وقد يكون تجمع دار الكبداني فرصة لبنكيران نفسه للإجابة عن هذه الأسئلة بدل الاكتفاء بخطاب انتخابي عام. فالناخب الذي سيطلب منه الحزب صوته في شتنبر المقبل من حقه أن يعرف ماذا تحقق عندما كان الحزب يقود الحكومة، وماذا سيختلف هذه المرة.
وبين بنكيران رئيس الحكومة بالأمس، وبنكيران الأمين العام الباحث اليوم عن استعادة موقع حزبه انتخابيا، تبقى الدريوش هي نفسها، بانتظاراتها ومشاكلها وأسئلتها القديمة.
ويبقى السؤال الأكثر إحراجا معلقا إلى موعد الزيارة: إذا كانت الدريوش تستحق كل هذا الاهتمام اليوم، فلماذا لم تكن حاضرة بالقدر نفسه عندما كان بنكيران على رأس الحكومة وكانت بين يديه أدوات القرار والتنفيذ؟

